أم المكارم-بقلم حمد كيوان
في وسط حي تل الهوى في غزه, سكنت الجدة (أم مكرم)التي تبلغ من العمر ثلاثة و ستين عاما مع أحفادها و أرملة ابنها في بيت مؤلف من طابقين شرفاته واسعة تحيطه حديقه صغيرة ذات سور عال من الحجر الجميل كأنه قلعه صغيرة أثرية ، هذا ما تبقى لها بعد استشهاد ابنها على أيدي جنود الاحتلال في في كرم الزيتون الذين قاموا بتجريفه قبل حوالي عشر سنين .
منذ ذاك اليوم وأم مكرم تقوم على تربية أحفادها وإعالتهم واخذت تبث فيهم حب الأرض والوطن وكرم الزيتون الذي سالت دماء أبيهم فيه وتغرس فيهم العزة والكرامة وعدم الخوف وأنه لا بد أن يأتي اليوم الذي سيقع على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن انفسم وبيتهم وكرمهم.
وفي آخر عملية قام بها الجيش الاسرائيلي على قطاع غزه والمسماة ( الرصاص المصبوب) كان لام مكرم نصيب في المعاناة شأنها شأن بقية أهل القطاع ،ففي إحدى الليالي المظلمة العصيبة المأساوية أخذ بعض الجنود من فرق جيش الدفاع بالتقدم والتوغل في أطراف الحي محاولين الدخول مستخدمين المدفعية في ضرب البيوت السكنية .
بينما تحلق الطائرات الحربية تلقي القنابل الفوسفورية المضيئة والمؤذية اشد الايذاء ، تحرق الأخضر واليابس على حد وصف المراسلين ، تحرق ما على الأرض من شجر او حجر او بشر انتشر الرعب بين الأهالي، فالكل فقد الأمن والأمان ناهيك عن فقد الأحبة والمنازل التي أخذت تهدم على رؤوس من فيها من ضربات المدفعية ، كانت أم مكرم في هذه الاثناء تختبىْ مع احفادها في احدى الغرف السفلية السرية التى تربط بيتهم بالحي، فاذا بها تسمع طرقا خفيفا على باب السرداب المؤدي الى الخارج فتحت بسرعه واذا بمجموعة من المقاومين المتخفين اتوا يحملون بعض الذخائر والقذائف والعتاد ، دخلوا وبسرعة توزعوا في البيت وعلى السطح وتمركز بعضهم على الشرفات وجاء احدهم فطلب من ام مكرم مغادرة المنزل هي واحفادها حفاظاعلى سلامتهم لكنها ابت ان تخلي البيت فاما موت بكرامة مع بعض او عيش بحرية فالأمران واحد.
وبقيت تهدهد الاطفال وتطمئنهم بأنهم الآن في امان اكثر من ذي قبل فهم بجوار المقاومين ، ومن ثم صعدت الى الطابق العلوي فأعدت لهم الشاي بالاعشاب وبعض الشطائر الخفيفة من محتويات المنزل ، ومن ثم احضرت لهم بعض البطانيات وقدمتها لكبيرهم فاخذوا يتناوبون العمل ثلاثة يستريحون قليلا واثنان يقاومون وام مكرم حاضرة معهم في كل زوايا المنزل تدعو لهم الثبات والعزيمة وروح المقاومة والانتصار، إلا ان وقعت قذيفة في ساحة المنزل اصيب على إثرها أحد المقاومين الذين كانوا على الشرفة، وإذا بأم مكرم تاخذه وتقوم بتضميد جرحه مع زميله ببعض الادوية والفوط واللفائف التي كانت تدخرها لأوقات الحاجة داعية له بالشفاء واخذت تلفه بالشراشف وتمسح على رأسه بلفائف الماء حتى لا ترتفع حرارته الى ان حضر رجال الاسعاف ونقلوه الى المشفى .
بقيت ام مكرم ثابته صامدة تقوم على خدمة المقاومين وأحفادها ثلاثة ايام وهم في بيتها تطبخ لهم الأرز بالعدس والمجدرة وتعد لهم اكواب الشاي ، وتقدمها لهم بابتسامه هادئة تبث فيهم بلسم الحياة بين لهيب النار وانفجار القنابل،وتدعو لهم بالنصر والثبات وأن يسدد الله ضرباتهم وينصرهم على أعدائهم مذكرة اياهم دائما انه لن يموت الانسان الا حين يوفى أجله. ولن تخرج الروح الا بيد باريها فاما حياة بعزة وكرامة او استشهاد .
واخذ المقاومون ينادونها يا(ام المكارم)يا ام المقاومين لا تحزني ، فموت مكرم ميلاد لشعب ووطن ولا بد الفجر قادم.
بقلم:
احمد يوسف كيوان مجد الكروم
مدرسة السلام-الصف الخامس ه