كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

القزم العملاق/ بقلم - عمر مرزوق

موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة · 04/06/2009 الساعة 09:08

لي صديق اسمه ... لنجعل الأمور دون أسماء , هذا الصديق يعتقد أن لدية القدرة والمعرفة لإنجاز أي شيء تطلبه منه أو لا تطلبه , فهو تارة ميكانيكي لا يشق له غبار , يمكنه تصليح أي عطل بأية سيارة بين غفلة عين وانتباهتها , وطورا شاعر أغانٍ , يفبرك لك عشر أغنيات شبابية ودزينة أغاني راب ولا يقل عن عشرين أغنية ترانس وذلك قبل أن يرتد أليك طرفك ونجارا فقد عرض خدماته لتصنيع الكرسي المشهور الذي جلس عليه البابا بيندكتوس بدل الأبوسناني وهيب أبو الخير محترف النجارة , فحسب رأي صديقي بأنه فنان لا يضاهيه أحد , وحداد و...و... وقد شهدت بنفسي هذا الصديق يضرب أصبعه بالمطرقة عدة مرات قبل أن يتمكن من إدخال المسمار في قطعة خشبية , ولحسن حظه أن المطرقة كانت من الوزن الخفيف . حاولت مرارا وتكرارا أن أشرح له , كوني أكثر "حكمة " بأنه لا يمكنه إنجاز مثل هذه الأشياء بمهارة قبل أن ينال التدريب الكافي, ولكن صديقي كان يقلّب شفتيه بامتعاض ويبتسم من جهلي بقدراته .
دخلت يوما على صديقي وجدته جالسا على كرسيه وقد تأبط عودا بين يديه وقد مط رقبته إلى الأمام هازاً رأسه يمنة ويسرة كما يفعل عتاة الموسيقيين فألقيت السلام .
ـ هُسسس ... رد صديقي بغلظة , وتابع هزّ رأسه من جذوره بقوة أكبر متأثرا فيما يبدو بما يخرجه ويستخلصه من أصوات من عوده .
رفع صديقي رأسه بعد أن أنهى وصلته ولكنه لم يوقف رأسه عن الهزّ فقد أخذ منه الطرب كل مأخذ ثم قال :
ـ لا تُسمعني حكمتك فهذا طريقي الذي اخترته ... الموسيقى ... 
قلت مستغربا :
ـ الموسيقى ...
أنا أعرف بأن هذا الشخص بعيداً كل البعد عن هذا المضمار الذي يتطلب الموهبة والمهارة .
ـ نعم ... ردّ صديقي , فقد اكتشفت في نفسي موهبة موسيقية دفّاقة وأريد أن أوقظ هذا الموسيقار العملاق النائم بداخلي .
استعذت بالله من الشيطان الرجيم وحَوقَلت وقلت لصديقي ممارسا دور الحكيم :
ـ أنا أعرفك جيدا ولا أعتقد بأن في داخلك أي عملاق ولا حتى قزم لا نائم ولا مستيقظ .
انتفض صديقي فزعاً وقال:
ـ ماذا ؟! اسمع ...ثم قبض على عنق عوده بيده اليسرى حتى كاد أن يخنقه , وعصر الريشة بيده اليمنى وبدأ الضرب على الأوتار منتقماً حتى بدأت تئن تحت تأثير ضرباته الموجعة وبعد أن انتهى قال :
ـ ما رأيك ...
الحقيقة أن صديقي أخرج من عوده أصواتا لزاما على من يسمعها أن يستعين بمنجّم أو ضارب رمل ليفهمه ما يجري .
قلت : لم أفهم شيئا .
ابتسم صديقي من جهلي وقال :
ـ هذا ما توقعت , هذا اللحن سيفرقع كالقنبلة في الشارع الفنّي عندما أنشره على اسطوانة مضغوطة .
ـ وهل قررت أن تنشر ألحانك على الناس ؟
ـ طبعا , ولماذا أحرم الناس من هذا , إن من حقهم عليّ أن يستمعوا ويستمتعوا .
ولأنني "حكيم" , دعوت لصديقي بالتوفيق في مهمته الجديدة متمنيا له النجاح بما اختاره .
بعد فترة قصيرة , تلقيت من هذا الصديق دعوة لحضور حفلة موسيقية سيحييها في أحد النوادي . ولأنني صديق وفيّ لبيت دعوة صديقي لأقف على ما آل إليه وضعه الموسيقي .
بدا لي بأن الجمهور على دراية وفهم بالموسيقى , وهنا رثيت لحال صديقي , ولكنني دعوت الله الستر وأن يكون عند حسن ظن الجمهور.
اتخذ صديقي موضعه فوق المنصة قابضا على عوده من تلابيبه , حنى رأسه تحية للجمهور وبدأت الحفلة ...
في البداية بدأ الجمهور يتململ وما لبث أن بدأ الضيق يظهر عليه , بدأ التصفير احتجاجا ثم رماه أحدهم بكأس فارغة وآخر بفردة حذاء وعلا الصراخ وساد الهَرَج والمَرَج وقام بعضهم واعتلوا المنصة وانتزعوا العود من بين يديه والبسوه إياه في رأسه , أسرعت إليه لأخلصه من بين أيديهم , لكنهم سحبوه سحبا للداخل وأشبعوه لكما وركلا انتقاما لما اقترف من إجرام بحق الألحان والموسيقى . وبعد تبويس الشوارب واللحى انتزعته من بين أيديهم , وأجريت له إسعافات أولية قدر المستطاع , فقد كاد يُغمى على المسكين من شدة ما لقيه منهم , ثم اصطحبته لمنزله ليخلد للراحة .
بعد أيام قليلة ذهبت لصديقي لعيادته للاطمئنان عليه فدهشت من هول المنظر الذي رأيته , فقد نصب حاملا خشبيا أمامه ووضع عليه لوحة كرتونية وانتضى ريشة وألوانا وكان قد نكش شعره وأطلق لحيته على شاكلة كبار الرسّامين, فصحت به :
ـ ماذا تفعل ؟!
قال بلهجة واثقة :
ـ لقد قررت أن أفتتح معرضا للرسم .

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع