إلى أن نلتقي..غربة ما بعدها غربة
* أبحث عن الزمن الجميل... أفتش عن ابتسامة تخرج صادقة من القلب... قادم من الجبال المتعبة
* اجلس على كل قارعة الطرق في العواصم العربية وأعطي كل عمري لمن يدلني على الفارس العربي الجديد لأشرح له قضيتي
إنني قادم منذ زمن القدس الشريف... وعكا ويافا والنقب والمثلث والجليل... قادم من خلف كل جدران الفصل العنصري... قادم منذ كل الديار المهدّمة... من كل البيارات المحترقة... لأبحث عن الزمن الجميل... أفتش عن ابتسامة تخرج صادقة من القلب... قادم من الجبال المتعبة... من الغدران المستغيثة... من الأرض التي ضاعت... من القاعات التي لم تتفق بعد على الطريق الأولى لشكل النضال...
كل أحلامي تركتها في القدس مكسورة الجناح... كل المراكب تركتها ورائي توشك على الغرق... كل أوراقي الثبوتية وكل التاريخ المكتوب... أكلتها النار أو أكلها المقبوحين... وكل ما بقي على المنضدة أبيات شعرية:
لا تسقني ماء الحياة بذلةِ
بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلةِ كجهنمِ
وجهنم بالعز أطيب منزلِ
أنا قادم من الطنطورة التي كانت تسكن في طمأنينة وهدوء بال, على شاطئ البحر الأبيض المتوسط, ولكن أين هي اليوم وما حلَّ ببحرها ؟
كلاهما أخذا إلى مكان مهجور بعد أن عصّبوا عيناهما وأطلقوا النار على جسدهما فماتا... للمرة الأخيرة قررتُ أن أسافر مجدداً لأدوّن الحلم في كتاب القاهرة, دمشق, بيروت, بغداد, الخرطوم, الرياض, الدوحة, عمّان, دبي, الجزائر, مرّاكش, وتونس ..... اجلس على شاطئ جدة الآن ... انتظر عودة السندباد البحري الذي شغل طفولتي وطفولة أهل فلسطين,- لعله اليوم يشغلهم أكثر من أي وقت مضى- ... فمنذ قرأت \"إذا عزّ العرب .. عزّ الإسلام\" ... انتابني إحساس أن السندباد مواطن عربي ... فارس عربيّ.. طير عربيّ ... مراكبه تصنع في طرابلس الغرب, وحباله في مرّاكش, وقلوع أشرعته تنسج في الجزائر, وأحلامه الكبيرة تصنع في بغداد ...
منذ وعيت الحياة... آمنت بان السندباد ليس مادة روائية تجلب لنا التسلية, ولا هو واحد من الممثلين المحترفين في المدرسة, السندباد في تصِّوري رمز هام لانعتاق العربي المهان والمطرود من حدود الزمان والمكان, ونزوعه إلى فك القيد والأغلال والأصفاد, والبحث عن الأمن والجمال والنبالة والحسن... السندباد هو اقتحام ووثوب وإبحار في عالم المدهشات , وصنع الغرائب والخوارق ...
هو السفر نحو المستقبل والغد والشروق, لا البقاء في مرافئ الذكريات والأمجاد القديمة ومرافئ الماضي... هو التحول العربي الكلي ...
منذ زمن ونحن ننتظر في قرانا ومدننا الثكلى أن تُحَلق الطيور في سمائنا... أن يرفرف السندباد بأجنحته فوق عيون المياه والغدران... انتظرناه منذ الطفولة ومنذ 61 عاما ولم يأت... انتظرناه في ربيع الشباب ولم يأت... وها هو خريف العمر قد لاح... انتظرناه فلم يأت, فقررنا السفر .
وها نحن نحمل أمتعة السفر نشق الجبال تلو الجبال, لنرى ما حلّ بالسندباد, هل مات مسموما؟ هل مات شنقاً؟ هل مات مطخوخاً ؟ أم مات على أيدي رجال المخابرات, لأنه تجرأ وطلب تأشيرة خروج للعلاج في إحدى مصحات الأمراض النفسية والعصبية في الخارج ؟
اجلس على كل قارعة الطرق في العواصم العربية, وأعطي كل عمري لمن يدلني على الفارس العربي الجديد, كي أشرح له قضيتي وأطلب منه إسناد ظهري ودفع مظلمتي وسماع شكايتي.
***
الغول يحاصرني ... أسماك القرش تحاول ابتلاع ما تبقى من عروقي وأعضائي... قررت السفر إلى بلاد العرب استجابة لنداء الشاعر... \"بلاد العُربِ أوطاني , من الشام لبغداد\" .... قال لي إخواني \" ولمَ السفر؟ , لماذا تضيف إلى همومك هماً جديداً؟\" ... قالوا :\"لقد سافر من قبلك رحالون كُثُر, يحملون على أكتافهم هموم الوطن, فوجدوا أن سفر أصحاب القضية في العواصم العربية سفر على لوح من الزجاج المهشم, من لم تنجرح أقدامه انجرحت أصابعه, ومن لم تنجرح أصابعه .. إنجرح قلبه, ومن لم ينجرح قلبه .. إنجرح ضميره !!\".
تنقلت من حيِّ إلى حيّ, من بلد لآخر, من ريف إلى ريف, من مقصورة إلى مقصورة... لم أجد في كل العواصم العربية من يمسح عني الآه... اخرج من دمعة لأدخل في دمعة أخرى... اجتاز حدود جرح الأمس, لأدخل في كل ساعة في جرح جديد, بُهلولتي هي التي تمدني بالقوة لأنكا جراحي, واعترف أنني أملك هذه الموهبة بجدارة وتفوق... أتجول في العواصم العربية, أحس بالقدس من قلوبهم ضائعة... بيافا عنهم غريبة, ومنفية هي النقب عن خريطة العالم العربي, نحن في وادِ وهم في وادِ آخر, ولأننا منشغلون بمواد ممنوعة من التداول لدى العواصم العربية, تسد في وجوهنا الأبواب, ومن خلق الأبواب يتلصص علينا الحرّاس كأننا بشر من كوكب آخر, ولهذا السبب يتطاول علينا اليوم أرذال القوم, ليسنّوا قوانين يمين الولاء علينا, وقوانين أخرى لا يجرؤ عليها إلا مستكبر عنيد متطاول.
أنهيت رحلتي ... نقلت لهم عبر 61 عاما آلامي وشجوني ومعاناتي وقهري وعذاباتي ...
عُدت من رحلتي الشاقة بحقائب جديدة من الآلام والهموم وجلطة جديدة, وانتهيت إلى نتيجة مفادها ... أن غضب عرب الداخل على الواقع السياسي لعصرهم, إذا كان شرعياً ومبرراً... وإذا كان صراخنا الدائم في وجه بلاد العرب مبررا وشرعيا, فان شتائمنا الأدبية في حق كل مقصر بهمومنا اليومية لها في الطب النفسي مبررات ومسوغات كثيرة... وأمام ثوبنا العربي المرقّع بألف وصلة, وألف لون, ومليون عشيرة, وآلاف الدجالين وعشرات ألوف الشيوخ... أمام هذا الثوب المرقّع الذي اسمه العواصم العربية, لا يمكن إلا أن نقول فيهم رأينا, وإلا فنحن معهم أيضاً ثوريون مرقّعون, وأتمنى أن لا يدوم هذا الصدام... وأن لا يكون شبيها بالتصادم بين المسمار والخشبة... وأتمنى لكل البحار التي زرتها... إن لم تكن هي الأخرى متآمرة على مصيرنا وقضيتنا, أن تتولى طباعة هذه الكلمات... وان تتولى رياحها نشرها وتوزيعها...