افرجوا عن الصور, فلن نغضب
من الطبيعي ان نغضب , فحين نشعر اننا لا نتحمل الموقف وان الضغط قد وصل الى حد الأنفجار, عندها يكون الغضب نارياً يحرق كل شيء , والغضب صفة انسانية معبرة قادرة على حمل الأنسان الى اجواء الراحة للخروج من الضيق , لن نحاول اضفاء الرومانسية على صلابة الغضب او فتح ذاكرة الغضب الشعبي على مر التاريخ لكن حين نسأل عن الغضب العربي الى اين هو ؟ وكيف يقاوم انفجار غضبه بالبرود وثلج اللآمبالاه ودفنه في توابيت التغاضي وعدم الأهتمام , ويبقى السؤال هل نسينا كيف يكون الغضب ؟ ام الأنظمة العربية الحاكمة قامت بتدجيننا حتى افرغت آخر شحنات الغضب واصبحت الأمور طبيعية لدرجة التخاذل والمرور على الغضب وهو مرمي على قارعة الطريق دون ان نحاول انتشاله واحتضانه والأعتذار له .
في سباق مع الديمقراطية والشفافية وباقي العناوين البراقة التي تحاول الدول الغربية التفتيش عنها كي تثبت انها مازالت على عهد الوفاء للمبادىء ولشعوبها التي اغرقتها بنظريات حقوق الأنسان وان من حق المواطن ايضاً معرفة خبايا سياسات بلاده , في هذا السباق يطل الرئيس الأمريكي اوباما معلناً ان هناك صوراً تُظهر مدى التعذيب الذي تعرض له السجناء في سجن ابو غريب وغوانتانامو , وهناك جدل حول الأفراج عن هذه الصور وهل ستفضح السياسة الأمريكية وكذبة العدالة واحترام حقوق الأنسان ؟ وهل سيكون هناك رد فعل وغضب شعبي ؟ وقد قررت وزارة العدل الأمريكية موعداً لنشر الصور اقصاه 28 ايار .انا أطمئن المسؤولين في الأدارة الأمريكية ان الغضب العربي في الثلاجة , مجمد ولن يذوب ويسيل انهاراً في الشوارع ويغرق القادة والزعماءالعرب , ستخرج الصور مثلما خرجت مئات الصور التي تنهش انسانية المواطن العربي ومثلما تبث يومياً اخباراً وصوراً تمسح الفضائيات بفزعها وألمها وذعرها ودمها وتهديد حياتها ومقدساتها, ولكن تمر الأخبار والصور دون ان تستوقف ذرة من الغضب بل اصبح الزعماء العرب يفتخرون بأنهم خدروا شعوبهم وانهم حولوا دولهم الى حضانات مطيعة لهم .
تحت عنوان حرية التعبير قررت محكمة الأستئناف الأمريكية اطلاق عدد من صور التعذيب ( بعد ان رفضت ادارة بوش فتح هذه السجلات بحجة ان نشر هذه الصور ستولد موجة غضب )انهم يتكلمون عن حرية تعبير ونحن لانتكلم عن حرية غضب , بل الأصعب اننا تعودنا على الأساءة والذل والضرب ونهج الغضب تحول الى مدارة وطرق التفافية يشقها المسؤولين العرب لكي يبرروا المواقف التي تحطم وتذل شخصية المواطن العربي , فحين تخرج صوراً فظيعة من سجن ابو غريب سيء الصيت وبدلاً من نزع كراسي المسؤولين وتكسيرها فوق رؤوسهم نرى احتواء الصور وتغطيتها دون تقديم احد الى العدالة العراقية (اذا وجدت عدالة), ولانعرف كيف سارت العدالة الأمريكية العرجاء مع الجنود الذين قاموا بالتعذيب , ولا نصدق انهم حريصون على كرامتنا , فالمقدمات من احتلال وتخريب ودمار جميعها تؤكد ان هذا الدود من هذا الخل .
وغاب نهار آخر وغربتنا زادت نهار , هكذا اخترقت الأغنية الرحبانية الوجدان الفلسطيني في حضور الصمت العربي , واسرائيل تحتفل سنوياً في الأستقلال , والفلسطيني يزداد انكماشاً وتعباً , وسنة بعد سنة تصبح اغنية فيروز ( الغضب الساطع آت وانا كلي ايمان ) نكتة ساخرة , لأن الغضب تحول من نمر الى قط , حتى القط قصوا اظافره وقلعوا اسنانه بفضل اتفاقيات ومبادرات .
الى الرئيس الأمريكي اوباما الذي يريد نشر صور التعذيب لتصفية حسباته مع بوش ليس حباً في الشفافية , انشر الصور وتأكد ان الغضب العربي اشبه الآن بالسؤال الذي طالما رددناه دائماً ( متى ستتحرك الجيوش العربية ؟؟ )