كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

كذب بألوان الطيف - رجا زعاترة

كل العرب · 27/04/2009 الساعة 14:42

* أفضل أنواع الكذب ينطوي على فسحة غير مبرّرة عقلانيًا من الأمل، كأن تقول صباح الخير مع أنّ الأفق لا يبشّر خيرًا


يربُّوننا من الصِّـغر على أنّ الكذب عيب، أو حتى حرام.
لكن هل فكّرتم في ما يمكن أن يحدث لو كنا صادقين بدرجة 100% في 100% من الحالات؟
لهذا السبب، ربما، اصطلح الـمُصطلِحون على \"الكذبة البيضاء\"، خاصّين بها صغائر الأمور، واعتُمد الاصطلاح في العديد من اللغات بما يفيد اللـّباقة، أي النفاق الاجتماعي الذي نمارسه جميعًا بصورة أو بأخرى.
وللكذب قيمة فنية أيضًا. إذ يقول صاحب \"رسائل إلى روائي شاب\" ماريو فارغاس يوسا إن الرواية هي \"مملكة الكذب\". وقالت العرب قديمًا في الشعر إن \"أعذبه أكذبه\"، وروى أبو هلال العسكري أنه قيل لأحد الفلاسفة إنّ فلانًا يكذب في شعره، فأجاب: يُراد من الشاعر حسن الكلام والصدق من الأنبياء.
والأنبياء بدورهم قد يكذبون في بعض الأحايين، كإيعاز إبراهيم (ع) لزوجته سارة بانتحال شخصية شقيقته في مصر خشية قتله وأسرها، أو مقولة سليمان (ع) إنّ \"الحرب تُصنع بالأحابيل\"، والتي حوّلها \"الموساد\" الإسرائيلي إلى شعاره الرسمي. أما في الإسلام فرُوي عن أم كلثوم قولها إنّ محمدًا (ص) أجاز الكذب في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدّث امرأته، والمرأة تحدّث زوجها.
وهكذا سبق الأنبياء والمرسلون الرفيق نيكولو – الغاية تبرّر الوسيلة – مكيافيللي بعدة قرون..

لكن هل كل الكذب أبيض؟ ليس بالضرورة!
فهناك مثلا الكذب الزهري، المتعلق بما اصطلح على تسميته، لسببٍ ما مجهول، بالجنس اللطيف؛ كأن تسأل إحداهنّ أحدًا عن تسريحة شعرها الجديدة، التي كلـَّفتها أجرة يوميّ عمل ويومًا إضافيًا في المحلقة (عذرًا: في الصالون) فيجيب بأنّ التسريحة رائعة و\"بتجنن\"، مع أنه لم ير أقبح منها منذ أفلام المقاولات المصرية في الثمانينات؛
وهناك الكذب العمّالي، الأحمر إذا شئتم، كأن يتمارض العامل لتبرير تغيّبه، مع أن السبب هو عدم استحصاله على ثمن الوقود أو المواصلات، أو، ببساطة شديدة، أنه لا يريد الذهاب إلى العمل اليوم؛
وهناك الكذب الجمعياتي، وهو متوافر بتشكيلة من البوردو والأخضر المحروق والبني الفاهي المائل إلى البرتقالي، كأن تحاول تحديد موعدٍ مع أحد أفراد المجتمع المدني فيعتذر بلطافة لزجة، لأنّ \"الأجندة\" ليست أمامه الآن؛
وهناك الكذب الكُميتي، الشائع بشكل خاص في المقاهي والبارات، كأن يلتقي اثنان (وعلى الأرجح: إثنتان) في مكان عمومي ويتبادلا \"الهايات\" والقبلات، ثم يقضيان السهرة في النميمة على بعض، دون أن يثنيهما هذا عن تبادل الابتسامات العريضة بين الحين والآخر؛
وهناك الكذب السياسي، وهو مُتباين الصفراوية، كأن يقول جورج بوش إنّ الدولة الفلسطينية ستقوم حتى نهاية 2008، أو أن يدعو حزبٌ عربي في الداخل إلى قائمة واحدة للكنيست الإسرائيلي، بعد أن أشبع \"حلفاءه\" تكفيرًا وتخوينًا منذ الانتخابات السابقة؛
وهناك الكذب البنفسجي، ومنه ادّعاء كل ثلاثينية عربية شبه نسوية أنها مُصرّة على العزوبية، لقناعتها العميقة بأنّ الزواج مقصلة الحرية والاستقلالية وكل إنجازات المرأة منذ الثورة الفرنسية؛
وهناك الكذب الليلكي، المعروف في فلسطين بـ\"الهَشت\" أيضًا، ويمتاز به الرجال الشرقيون بشكل خاص، حين يروون إنجازاتهم الكمية والنوعية في الأسرّة العربية والأجنبية، وغيرها من مآثر فحولتهم التي تشهد لها القاصيات والدانيات؛
وهناك الكذب العادي، الشفاف، كأن يُسألَ شخصٌ عن حاله ويجيب \"مليح\" أو \"عال\" أو \"برنجي\"، مع أنّ السائل والمجيب كلاهما يعرف أنّ السحب الزائد زاد عن كل الحدود، وأنّ السعادة الخالصة غالبًا ما تكون من نصيب البهاليل دون سواهم.

أما أفضل أنواع الكذب فهو الذي ينطوي على فسحة غير مبرّرة عقلانيًا من الأمل، كأن تقول \"صباح الخير\"، مع أنّ الأفق لا يبشّر خيرًا ولا يحزنون. وهو ما يسميه الشيوعيون ومن لفّ لفّهم بالتفاؤل الثوري، وغيرهم بالتفاؤل الواعي.
وأما أسوأ أنواع الكذب (وأكثرها شيوعًا برأي نيتشه) فهو، بلا شك، ذاك الذي ينطلي على أصحابه حتى يخالونه الحقيقة بعينها.. كان الله في عونهم وعون سامعيهم!

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع