كيف لي! إيـاس يوسف ناصر
كيف لي يا عُصفورتي أنْ أجلِبَ إليكِ زهرًا وَمِن وَجْنتَيكِ يَفوحُ عَبَقُ الياسمين والنرجس!
وكيف لي أنْ أحْمِلَ إليكِ أحلامي وفي عينَيْكِ أرى جميعَ هواجسي!
وكيف لي أنْ أذهَبَ إليكِ بأنغام الصباح وفي صوتِكِ أسْمَعُ نشيدَ الحبِّ الأبديّ!
فأنا لا أرى الحبَّ تصويرًا على الورق، ولا قلادةً تُحيطُ بالعُنُق، ولا قُبلَةً يَحْبِسُها الحاضرُ في سِجْنِ الماضي! ولكني أراهُ كلماتٍ تَبحَثُ عن أثواب الحروف، وابتساماتٍ تُصوِّرُها الرُّوحُ على مَلامِحِها، وذكرياتٍ يَلبَسُها الزَّمَنُ أينما يكون!
وأنا لا أطلُبُ من هذا الكونِ الرَّحيب غيرَ أنْ أكونَ ندًى يَتحدَّرُ من خُدودِ الفَجْرِ على الأزهار فَيعانِقُ أريجَها، أو طائرًا يَطيرُ بِأجنحةِ الضّياء لِيُغرِّدَ في سماء الحبِّ البعيدة، أو موجًا يَجْمَعُ أشلاءَهُ عند الشاطئ لِيَرْجِعَ إلى البَحْرِ الحبيب.
يَبْذُرُ الفلاَّحُ حَبًّا لِيَغتَلَّ أرضَهُ، أمّا أنا فأبْذُرُ في قلبي حُبًّا لتَنبُتَ أحلامي في أرض الحياة. ويُبحِرُ الْمَلاَّحُ في البحرِ الغريق إلى أنْ يَستَوْقِفَهُ الشّاطِئُ في تلك البلاد النائية، أمّا أنا فأُبْحِرُ على سفينة حُبي زمانًا فلا أَجِدُ شاطئًا يَحُدُّ ذلك البحر الطامي حيثُ تَحوكُ الأمواجُ والرّياحُ أجْمَلَ أغاني الفَرَح.
فكما تُسافرُ الأيامُ فينا كذلك نحن نُسافرُ فيها، إلى أنْ يَستَوْقِفَنا العَدَمُ فيَنفُضَ غُبارَ السَّفَرِ عن أَرْجُلِنا. فما أكثرَ الذينَ يَبلُغونَ مُنتَهى السَّفَر وهم عطاشى لأنهم لم يَشرَبُوا مِن نهر الحبّ الدافق، وما أقلَّ الذين لا يزالون مُرتَوِينَ وإنْ كانت أجسادُهم مُتعبَةً بِعَيْشٍ غير هَنيء.
فإذا كانتْ عَجَلَةُ الخيلِ تُؤثِّرُ في حِجارةِ الطريق بمسيرها الدائم، فما تأثيرُ الحُبِّ في قلبِ الإنسان! وإذا كان العُصفورُ على صِغَرِ شَخْصِهِ وقلبِه ينامُ مع مَغيبِ الشّمسِ وهو عالِمٌ أنه مُنْتَبِهٌ مِنْ غَدٍ لِيعانِقَ الصَّباحَ شوقًا وحبًّا، فما بالُ العُصفور الذي يُغرِّد على غُصونِ مَشاعِرِنا!
يَقولُونَ لي حين يَرَوْنَنِي فَرِحًا: إِنَّكَ عاشق. وَأَقُولُ لَهم حين أراهُم حُزناء: إنّكم عُشَّاق، لأنّ الْحُزْنَ أدلُّ على الحبّ من الفَرَح. فما فَضْلُ إنسانٍ يكونُ فَرِحًا مع حبيب له، ولا يكون حزينًا عند افتقاده؟! وما فَضْلُ أنغامٍ أَسْمَعُها خارجةً من صميم الوتر، ولا أسْمَعُ صدًى لها حزينًا على فِراقه؟!
فيا أيها الربيعُ الذي تَحمِلُ لونَ الشَّجَرِ وتَلتَحِفُ بحريرِ الغيوم، لا تزالُ كذلك حتى تَشيبَ أيّامُكَ على مَشارِفِ الخريف، ويَتخفَّى جَسَدُكَ تحتَ أكداسِ الثلوج. يا لَلْعَجَب! إنّ فيّ ربيعًا لا يَشيبُ بِمُضِيِّ الأيّام وإنْ لَمَسَتْ ثلوجُ الزَّمَنِ شيئًا من شَعْرِي، ذلك أنني أذهَبُ مع عُصفورتي فأدُوسُ الشَّوكةَ بالوَرْدَة وأَمْسَحُ الدَّمْعَةَ بالبَسْمَة وأُخرِجُ روحي مِن جسدي المظلَّلِ بأعبائه لِتَشرَبَ من جداول الحياة...
(كفرسميع)