دكتور عزمي..عُد الى وطنك
أكثر من سؤال يُسأل ما الذي حدث مع الدكتورعزمي بشارة! هل صحيح أنه خرج ولن يعود الى البلاد!أم أنه سيعود ويواجه التحدي حتى وإن تطلّب هذا دفع ثمن باهظ من حريته الشخصية!
الحقيقة أن الساحة السياسية العربية المحلية لم تعرف شخصية إشكالية مثل د.عزمي بشارة منذ انخراط العرب في العمل البرلماني سواء بقوائم مشتركة مع يهود أو بقوائم عربية صرفة، لقد لعب ممثلو الجماهير العربية ومشوا بالضبط على حافة ما تقدمه الديمقراطية الإسرائيلية وقد التزم جميع من دخلوا البرلمان بقواعد هذه اللعبة، وعندما كان يتم تجاوز هذه الخطوط الحمراء أوالإقتراب منها تبدأ السلطة حملة شعواء ضدهم وضد جماهيرهم!
اللعبة البرلمانية تسمح بالمطالبة بالحقوق المدنية وتسمح للنواب من كل ألوان الطيف السياسي بتقديم اقتراحاتهم وأن يصوتوا وأن يتبادلوا الشتائم حتى العنصرية منها أثناء النقاشات،وطبعا مقابل هذه الديمقراطية تلتزم الأقلية بما تقرره الأغلبية وهي يهودية بطبيعة الحال،اللعبة هي أخذ وعطاء بمعنى أنه مقابل هذا المنبر الديمقراطي الذي يحصل عليه البرلماني العربي مفروض أن ينعكس هذا على العالم الخارجي كإنجاز للديمقراطية الإسرائيلية غير المتوفرة لدى غيرها من دول المنطقة،هذه الثنائية تجلت مثلا بترشيح د.بشارة نفسه لرئاسة الحكومة مسجلا سابقة تاريخية للعرب الفلسطينيين في إسرائيل أظهرت الوجهين المذكورين،د.عزمي أراد أن يترجم شعاره دولة كل مواطنيها والدولة أظهرت ديمقراطيتها ورحابة صدرها للعالم في عملية الترشيح الشكلية نفسها!
د.بشارة حاول أن يربح عالمين،أولا اللعبة البرلمانية الإسرائيلية باعتبارها منبرا ونقطة انطلاق قوية في السياسة المحلية ومنها الى العالم العربي،وقد ثبت أن شهرة د.بشارة اتسعت وانتشرت كثيرا كونه برلمانيا عربيا في إسرائيل صاحب طرح قومي مميز، فصار ضيفا دائما على الفضائيات العربية وعلى جامعات ومنتديات كثيرة في العالم لخصوصية تجربته التي غذاها بفكر عميق وأساسي ومؤسِّس،ومن جهة أخرى يريد د. بشارة أن يكون قوميا عربيا حتى النهاية وليس عند الحد الذي تحدده السلطات وأن يثبت بأنه لا يقل قومية حتى في الحقل العملي عن أي طرف آخر في العالم العربي سواء كان هذا من( محور الشر أو محور الخير)،وهذا جعله يحظى برعاية ودعم المحيط العربي باعتباره صاحب مشروع قومي بعيد المدى وإستراتيجي يتناقض مع برلمانيته من جهة والى تحوله الى هدف لدى السلطات للإيقاع به ومراقبته بتشدد وشن حملة شعواء ضده وضد فكره!
نعتقد أن د.عزمي لم يعد يرى في الكنيست خصوصا في الآونة الأخيرة وعاء يتسع لطروحاته ولحركته،وقد صرّح أكثر من مرة بأنه ليس بحاجة لهذا المنبر خصوصا بعد أن فتحت المنابر العربية والدولية له أوسع أبوابها،ثم أنه لم يعد يطيق الصراعات على جمهور الناخبين الذي يستنزف طاقاته الفكرية والإبداعية،ثم أن الدعوات بين الجماهير العربية لمقاطعة الكنيست صارت أقوى والتي ترى أنه ليس المكان الذي يمكن أن نحقق طموحاتنا من خلاله مثل الحركة الإسلامية التي يرئسها الشيخ رائد صلاح وحركة أبناء البلد وغيرهما!بل وترتفع أصوات بين حين وآخر لإقامة برلمان عربي!
د.عزمي بدا في الآونة الأخيرة وكأنه يسعى لتجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها ضمنا وبشكل مقصود مثل زيارته للضاحية الجـنوبية في بيروت ولقاءاته المتعددة مع قادة عرب في سـوريا وغير وسوريا،وهو يفـضل أن يطرد من الكنيست طردا ليثبت عجز الديمقراطية الإسرائيلية عن استيعاب طروحاته وطموحاته وقد نجح بإحراج هذه الديمقراطية في أكثر من مرة وموقف من خلال نقاش فكـري فـلـسفـي عميق يلقى احـترام كل من يصغي إليه، د.بشارة يريد أن يسجل في تاريخه الشخصي عدم رضاه بعضويته البرلمانية وأنه تعامل معها كشرٍ لا بد منه،ولهذا فقد سعى في الآونة الأخيرة الى مباراة ومواجهة صـدامية مع هذه الديمقراطية مختبرا قدرة احتمالها!
ولكن بطـبيعة الحـال السلطة ليست غبية ولا نائمة وهي لن تتيح له فـرصة أن يربح الدارين،أي البرلمان الإسرائيـلي والقـومـيـة العربية وبالذات الجانب المتشدد منها،ولهذا فـهـي دأبت على النبش كي تلبسه ملفاَ كما حدث مع الشيخ رائد صلاح ورفاقه الذين كانوا وما زالوا هدفا للهجوم من قبل السلطات!
لا نعرف تفاصيل قضية د.بشاره،ولكن نعرف أنه مستهدف من قبل السلطات هو وما يمثله، وهو الآن أمام خيارين كلاهما مرّ، أولا العودة الى البلاد وشرب الكأس الذي أعدته له السلطة،وهذا يعني نهاية حياته البرلمانية التي لن يأسف عليها ولكن المشكلة أنه قد يسجن،ومعروف أن عزمي مريض وقد زرع كلية قبل بضع سنوات والسجن يعني فقدانه حريته وقدرته على استغلال طاقاته الفكرية والإبداعية بالإضافة للوضع الصحي الذي سيواجهه!والخيار الثاني هو أن يبقى خارج البلاد متمتعا بحريته الشخصية ولكنه حينئذ سيتعرض لهجمات الأصدقاء قبل الخصوم وسيتهم بترك ساحة المعركة وواجب الدفاع عن نفسه، وقد يفقد الكثير من مصداقيته أيضا خارج البلاد،وسيتحول من مفكرمناضل الى مفكر عادي!
بلا شك أن السلطات ستكون شاكرة له إذا لم يعد الى البلاد لأنه هكذا يريحها وبطريقة مهينة له وستعتبر الأمر هروبا وهذا له اسقاطاته ليس فقط على حزب التجمع بل على الكثير من الشباب المخلص الذي رأى فيه مثالا بل وحتى على أحزاب وحركات وطنية أخرى لأن الثقة ستتزعزع بالقيادات عموما،من جهتنا نعرف ما يمثله د.بشارة من وزن ومثال في البلاد وخارجها، ولهذا نقول له عد يا دكتور عزمي مهما كان الثمن الشخصي الذي ستدفعه باهظا،لأنك بعودتك ستنقذ المثال بل وسوف يكبر أكثر وأكثر مهما كانت التهمة الموجهة إليك،ومهما كان الثمن باهظا سيبقى أقل ضررا مما قد تحدثه مغادرتك البلاد!