أمران أغفلهما بيان تحالف المؤسسات
أمران أغفلهما بيان تحالف المؤسسات الإسلامية حول العلاقة مع \"أف. بي. آي\"
إصدار التحالف الأمريكي-الإسلامي للحقوق المدنية والانتخابات \"American Muslim Taskforce on Civil Rights and Elections\" بيانا وقع عليه عشر مؤسسات إسلامية-أمريكية تهدد فيه بـ\"النظر\" في إمكانية تعليق العلاقة مع مكتب التحقيقات الفدرالي \"أف. بي. آي\" بسبب سياسات هذا الأخير تجاه الجالية المسلمة، يعد محطة جديدة في العلاقة ما بين الجالية الأمريكية المسلمة ككل، وهذا الجهاز الأمني الفدرالي، والذي أذاق المسلمين الأمريكيين، بالاشتراك مع دائرة الهجرة، الكثير من الويل منذ هجمات سبتمبر/2001.
بيان التحالف أشار إلى بعض السياسات الاستفزازية التي تتبعها \"أف. بي. آي\" في تعاطيها مع المسلمين الأمريكيين، من مثل زرع جواسيس في المساجد والمراكز الإسلامية، ومحاولة الإيقاع بشباب أمريكي مسلم متحمس عبر عملائها، فضلا عن تعليقها، أي \"أف. بي. آي\" للعلاقة مع مجلس العلاقات الأمريكية-الإسلامية \"كير\"، فيما يبدوا أنه استجابة لضغوط اليمين المتطرف، والذي يتهم المجلس بكونه واجهة لحركة حماس الفلسطينية. وهي التفاصيل التي يوضحها التقرير المنشور في هذا العدد من \"الميزان\".
لا شك بأن بيان التحالف بحد ذاته يشكل نقلة نوعية رفعت من مستوى لهجة الخطاب نحو التجاوزات الكبيرة التي تقوم بها \"أف. بي. آي\" والتي أدت في كثير من الأحيان إلى تضييع مستقبل العديد من الشبان المسلمين الذين استغل عملاء مسلطون عليهم حماستهم وجهلهم، وانتهى بهم الأمر إلى سنوات طوال في السجن على جرائم لم يرتكبوها، ولكنهم ورطوا في الحديث عنها ومناقشتها من قبل أولئك العملاء. وكان صاحب هذه السطور نفسه قد حذر من قبل من أولئك الذين يظهرون التعصب ويتبنون خطاب التطرف في المساجد في أمريكا-من الذين يتهمون الكل بالجبن والتواطؤ والخوف من الصدع بكلمة الحق-من أنهم لا يعدون أن يكونوا أحد اثنين، إما عملاء مدسوسين، أو حمقى مغفلين. وقلت حينها، وأعود وأكررها اليوم، بأن كلاهما واحد والنتيجة واحدة، ألا وهي توريط البعض في ترهات تنتهي بهم في غياهب السجون لسنين أو حتى عقود من أعمارهم، لا لجريمة ارتكبوها، وإنما لحماقة اتبعوها.
وعلى الرغم من أن البعض ينتقد بيان التحالف بأنه لم يكن قويا بما فيه الكفاية، حيث أن ثمة معلومات تشير إلى أن بعض المؤسسات خففت من حدة لهجته-خصوصا فيما يتعلق بالحديث عن \"إمكانية النظر في تعليق العلاقة مع أف. بي. آي\"، وليس تعليقها فعليا حتى تنتهي هذه الممارسات-إلا أنه يبقى بيانا مهما سيؤرخ يوما لبعض الأساليب التي اتبعتها \"أف. بي. آي\" بحق الجالية المسلمة، وذلك ليس باعتبارها مصدرا للتهديد فحسب، بل وكذلك، محاولة إيقاعها في \"أفخاخ أمنية\" لتثبيت هذا الانطباع عنها.
غير أن بيان التحالف أهمل أمرين اثنين مهمين. الأول، وهو أمر كنت قد سمعته شخصيا من أحد مسؤولي التحالف الكبار وأتحفظ عن ذكر اسمه الآن، من أن \"أف. بي. آي\" عملت على التدخل في التركيبة القيادية للكثير من المؤسسات الإسلامية-الأمريكية. فحسب ذلك المسؤول، فإن \"أف. بي. آي\" حاولت من قبل، ويبدوا أنها نجحت في بعض الأحيان، في إحداث اختراقات مهمة داخل بعض المؤسسات الإسلامية الكبرى. وفعلا فقد اكتشفت بعض المؤسسات أن الحملات الإعلامية على بعض مسؤوليها، ثمّ ما تلاها من محاولة للتغيير في بنيتها القيادية بالتعاون مع شخصيات مسؤولة فيها، من الممكن أن تكون حملة منسقة بشكل جيد، لاستبعاد المسؤولين غير المرضي عنهم أمنيا. بل وأبعد من ذلك، فإن بعض هذه المؤسسات قد فوجئت بأن بعضا من مسؤوليها كانوا يجرون حوارات خلفية مع \"أف. بي. آي\" تتعلق بالأمور التي تقلق \"أف. بي. آي\" من مؤسساتهم، وكيف يمكن لهذه القيادات الإسلامية تهدئة قلق مكتب التحقيقات من مؤسساتهم، وإحدى الأمور التي قالها ذلك المسؤول بالتحالف، أن \"أف. بي. آي\" نصحت هؤلاء المسؤولين بالابتعاد عن طرح القضية الفلسطينية إن هم أرادوا تحسين علاقاتهم بالجهاز الأمني الفدرالي!
الأمر الثاني، وهو أشد أهمية من الأول، يتمثل في سعي بعض قيادات بعض المؤسسات الإسلامية-الأمريكية إلى تحميل الجالية، بل وحتى الأمة المسلمة ككل وزر وثمن الحملة عليهم. أحد مسؤولي تلك المؤسسات والذي تشن عليه وعلى مؤسسته حملة إعلامية كبيرة منذ سنوات، تضاعفت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، لا يترك فرصة لنقد الخطاب الفلسطيني الملتزم بالحقوق، والخطاب الإسلامي المتمسك بالثوابت، إلا واستغلها لمحاولة إظهار خط الاعتدال الذي يتبعه في محاولة لنفي الصورة التي يحاول اليمين المتطرف إشاعتها عنه وعن مؤسسته. مثل ذلك الشخص، يظن أنه بمهاجمة \"حماقة\" الطرف الفلسطيني المتمسك بثوابت قضيته وشعبه، و\"إساءته\" لقضيته عبر اللجوء إلى \"الإرهاب\" كما يرى الآن، أو بانتقاد خطاب المسلمين \"الجامد\" و\"المتحجر\"، فإنه قادر بذلك على \"مسح\" حصيلة سنوات طوال من الآراء والمواقف التي كان يتبناها قبل هجمات سبتمبر، يوم كانت الآراء والمواقف مجانية وبلا ثمن، بل وجالبة للاحترام والتمويل. إنه يظن على أنه قادر على التبرؤ من تلك التصريحات والمواقف المسجلة له في الماضي بمجرد مضاعفة جرعة الانتقاد والتطاول على تلك المواقف الآن!
أظن أنه قد آن الأوان لمن يحمل مثل تلك التركات القديمة من الآراء والمواقف ولا يستطيع أن يستمر بالتعبير عنها الآن أن يتنحى جانبا وأن لا يضع مؤسسته وجاليته رهائن لمشاكله الشخصية. لا الجالية ولا الأمة في وارد التنازل عن مبادئهما وقناعاتهما من أجل مصالح موهومة لأفراد واهمون. أصحاب المبادئ، إن كانت فعلا سليمة، وإن كانوا فعلا يؤمنون بها، لا يبيعون مبادئهم بعرض من الدنيا. والغريب، أن أولئك النفر الذين انقلبوا على ذواتهم ومبادئهم، هم أنفسهم من يُنَّظِرُ علينا بموضوعات الحريات المدنية والحقوق الدستورية وحرية التعبير.. الخ.
نعم، لا ينبغي أن تُرْهَنَ الجالية ومؤسساتها لمشاكل فلان أو علان. من حقنا في هذه البلاد أن نعبر عن آرائنا وأن نتبنى ما شئنا من قناعات ومواقف، ما دام أنها لا تهدد أمن ولا استقرار هذه البلد. فمعارضة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني، حق مكفول دستورا وقانونا، حتى ولو لم يعجب المؤسسات السياسية والأمنية والإعلامية الأمريكية، ما دام هناك احترام للقانون والتزام بحدوده. أيضا، الدفاع عن الإسلام والتمسك بتعاليمه وقيمه، ليس بالأمر الذي نَسْتَعِرُ منه حتى نسعى لتطويع ديننا وقيمه بناء على رغبات \"معاتيه\" اليمين المتطرف، الذين وصلت به الصفاقة إلى حد اتهام الرئيس الأمريكي نفسه، باراك أوباما، بأنه مسلم متخف.
بعبارة واحدة، لن تحصل الجالية المسلمة حقوقها في هذه البلد إلا إذا تمسكت بها ورفضت التجاوز عليها أو التنازل عنها في وجه حملات الترويع والترهيب. وكل من يقوم بالمساومة على هذه الحقوق نتيجة أزمات ومخاوف شخصية ينبغي أن يتنحى جانبا عن ادعاء القيادة في هذه الجالية، أو أن ينحى رغما عنه، وإن استلزم الأمر مع مؤسسته، إن لم تبادر إلى تنحيته من تلقاء نفسها.