القُدسُ.. عاصِمَةُ ما قَبْلَ مرحَلَ
* في قصر الثّقافة الفخيم الأنيق ببيت لحم، جلسوا مئات من الفخامةِ واللّباقةِ والتزيّنِ والتّهذّبِ والتّشذّبِ والتّأنّقِ والكياسة، تراهم فكأنْ لا حربَ ولا حصارَ ولا دمارَ ولا تهويدَ ولا ترويعَ ولا تخريبَ ولا استيطانَ ولا تَجويعَ ولا تجهيلَ ولا تفتيتَ ولا انقسامَ ولا اختصامَ ولا لجوء.. تبصرُ بينهم أناسًا تكاد لا تصدّق أنّهم كانوا يومًا سكنى الخنادق والشّعاب والمغاور والغابات ورؤوس الجبال، أيديهم البنادق، وأعينهم المناظير، يقاومون، ويعتقلون ويشرّدون؛ وكيف تُصدّق، وأقلّهم اليوم إمّا معالي أو فخامة أو سيادة أو نيافة أو عطوفة أو فضيلة أو غبطة!!
جاؤوا جميعًا ليحتفلوا بالقدس عاصمةً للثّقافة العربيّة.. يصفّقونَ على الطّالعة والنّازلة لتعابيرَ مموسقةٍ رنّانَةٍ أفرغت من جميلِ وصادقِ مضامينِها، هي نفسها تتكرّر مذ وطئ المستعمرُ ترابَ البلد.. ثمّ تجدهم فجأةً يقفونَ مصفّقينَ إجلالاً واحترامًا لبطلهم لحظة صعودهِ منبر الخطابِ ( فحلاً )، وهم يعلمونَ في الصّميمِ، كم يبدو خصيًّا في سياقاتٍ غير السّياق وعلى منابرَ غير المنبر!!
بحثتُ بينهم بكلّ ما أوتيتُ من تمحيصٍ عن طالبةٍ جامعيّةٍ بنت خبّازٍ كادح، حفيدة شهيدٍ وأختُ شهيد، تسكن في قلقيلية أو جنين، فلم أجد.. بحثتُ بينهم عن مزارعٍ بطلٍ من يعبَدَ، أرادَ أن \" يغيّر جوًّا \" هو وزوجته وأبناؤه الثّمانية، بعد يوم حافل بالتّسلّلاتِ إلى ومن أرضه القابعة في العالم الماوراءَ جداريّ، فلم أجد..
وها أنا أراهنُ بكلّ ما جادت به قريحتي من نصوص، فأنا لا أملك سواها، أن تجد أنت بدوركَ..
- ألمْ أقلْ لَكَ إنَّكَ لن تَجِدْ.. واللهِ لَنْ تَجِدْ..
* قبلَ أن يُتِمَّمَ قراءَةَ مجملِ ما جاءَ في الفقرةِ السّابقة، وأثناءَ مضغِهِ لأولى الجُملِ، ستقفزُ فِكرَةٌ جُهَنّمِيَّةٌ لرأسِ أحدهم، ينطلقُ منها نحوَ نقدٍ ونقض، مستحضِرًا ثقافةَ \" البوست-أنسنةِ \" لديهِ من قاعِ قاعِ وعيِه.. سيُفكّرُ برِمًا: \" أوفففففف... شو هذول المتشائميييين.. من وينا بطلعولنا ياخي؟؟!! يعني هو إحنا لازم دايمًا نبَيِّن للعالَمْ إنّا أبطالْ ومكافحينْ وملائِكَة يعني... هو إحنا مالناش حقّ نفرَحْ ونِنِبْسِطْ ونغنّي ونرقصْ ونشربْ، وِنْتَعْرِ ... وِنْشَرْمـِ .... أخرى زي البشر، بكفّيش ستّين سنة بالويل؟؟!!! يعني لازِمْ نعيش عشانْ يرظوا هذول النّاس طول حياتْنا نعيِّطْ ونرمي حجارْ ومظاهرات وبعرفش شو.. لعععععععع.. لازم نثبت للمحتل إنّا منقدر نتغلب عليه بالفرح... \"!!!!!
- \" إفرَحْ كما تشاء يا أخي، وافعلْ ما يحلو لك فيما يَخُصُّكَ.. ولكنْ رَجاءً، رَجاءً أَفسِحْ لغيرِكَ، وافرَحْ على قدرٍ يسمَحُ للآخرينَ بأنْ يفرَحوا معكَ فيما يخُصُّنا جميعًا، وليكُنْ فَرَحُكَ على قَدّ مَدّ أرجُلِنا، ولا تُبالِغْ بِتفاصيلِ فَرَحٍ قد يُنسيكَ أصلَ ما أَنتَ عليهِ، وقدْ حَصَلَ وَانتَهى.. \"
* أسفل شاشةِ قناة فلسطين الفضائيّة، يمرّ الشّريطُ الإخباريُّ متثائبًا ضجرًا، فالأخبارُ هي الأخبار، والشّهداءُ هم الشّهداء، يبصقُ في وجهكَ قائلاً: حماس تمنع فعاليات القدس عاصمة الثّقافة العربيّة في غزّة!!
* لَمْ يَبَقَ أحدٌ إلاّ وفي القُدسِ قال شيئًا عظيما: هيَ عاصِمةُ المحبّة، عاصِمةُ التّآخي، معراجُ مُحمّدٍ وقيامةُ المسيحِ، مدينةُ السّلامِ والوئام، عاصمة العروبةِ والجهادِ والصّمودِ والرّباطِ والثّباتِ، النّضال والعطاءِ، تلاقي الحضاراتِ وأرض الرّسالات و.. و.. و.. و...
لكِنّ أحدًا لَمْ يَقُلْ: هيَ أَمَلُ أجيالٍ من الأحلامِ بالرّجوعْ، هِيَ سَقفُ وجدرانُ بيتٍ قدْ يتداعى في أيّ لحظةٍ فوق رؤوسِ عشرةِ أنفارٍ وأكثرَ من الهائمين..
لم يقُلْ أحدٌ: هي مكانٌ يَخُصُّ أحدهم، مكانٌ لإنسانٍ قبل أيّ شيئ، مكانٌ مُجَرَّدٌ، ما قبلَ مرحلَةِ الصّفات...
هكذا نحنُ دومًا، نفكّرُ بالحجرِ دونَما التفاتٍ ولو برهةً من زمانٍ لصانعِ الحجرِ، أو لمن يصنع منهُ الحجرُ، أو يصنَع لَهُ، شيئًا يرغب به أو يرغبُ عنه: \" ..................... وأهجسُ كيفَ
يختلِفُ الرّواةُ على كلامِ الضّوءِ في حَجَرٍ؟
أَمِنْ حَجَرٍ شَحيحِ الضّوءِ تَنْدَلِعُ الحُروب؟ \"
* ترى هل يأتي يومٌ يسأمُ فيهِ الاحتلالُ من تأكيدِ هويَّتِهِ لنفسِهِ وللجميع؟؟!!.. هل سيتخَطّى مرحَلَة التّشكيكِ بوجودِه يومًا فيستغني عن اضطّرارِهِ اليوميّ للوقوفِ أمامَ مرآةِ الجريمَة؟؟!!
إسمحوا لي يا إخوتي.. إسمحوا لي في أقربِ فرصَةٍ تجمعني به، أنْ أصارحَه وأقولَ له: يا سيّدي الاحتلال، لقد أقنعتْني، أقنعتْني تمامًا بأنّكَ احتلالْ، أقسِمُ لَكَ بكُلِّ حرفٍ في العهدينِ القديمِ والجَديدِ وفي الزّبور ومُحكَمِ التّنزيلِ وكتابِِ الأمواتِ وأسفارِ زردشتَ وبوذا وحروفِ حيّ ونهج البلاغةِ ودلالة الحائرينَ بأنّكَ أقنعتني، بل وأفحمتَني حَدَّ اليقينِ الاعتقاديِّ بأنَّكَ أنت..
وصدّقني.. ما تفعلهُ اليومَ من إلغاءٍ لحفلٍ موسيقيّ هنا أو لمعرضٍ فنّيّ هناك، وما تقومُ به من اعتقالٍ لفنّانٍ أو منظّمٍ هنا وإصدار أوامرَ منعٍ لنشاطٍ هناك، صدّقني لن يُقدِّمَ ولن يُؤخّرَ شيئًا، سوى أنّهُ دليلٌ آخرَ يُضافُ إلى قائمةٍ طوييييييييييلةٍ طولَ أعمارنا على أنّكَ أنت، لا شيئَ سواكْ، فما الحاجَة لدليلٍ آخرَ وقدْ صَدَقناكَ مُنذُ زمانٍ طويل..
يا سيّدي الاحتلال، أنصَحُكَ بعدَ كلّ ما بذَلتَ من مجهودٍ في سفكٍ وَقَصفٍ وَنَسْفٍ وَخَسْفٍ وَعَصْفٍٍ وذَبحٍ وَنَحرٍ وتشريدٍ وتهويدٍ وَتعذيبٍ وتدميرٍ وتخريبٍ وتجريفٍ وَطرْدٍ وحصارٍ وحَجْرٍ واعتقالٍ وترويعٍ وترهيبٍ وقمْعٍ وسلخٍ وضربٍ واغتيالٍ وحرقٍ وإبادة و.. و.. و.. .. أنصَحُكَ أن تأخُذَ قسطًا من الرّاحةِ في صروحِ مجدِكَ المُحصّنة بدِمانا، فتفسح لنا مجالَ لهوٍ قليلٍ، لا لشيئٍ، إنّما لِنُثْبتَ لك، ولِما ماتَ فينا ومن مات منَّا، أنّ ثمّةَ دفء في بعضِ عروقِنا بعدُ ينبض، فقد يغريكَ ذلِكَ ويغرينا بمواصلةِ اللّعبة: جزّارٌ وحَمَلْ..
يا سيّدي الاحتلال، لا تتفاجأ من قدرةِ الحملِ على تضليلِكَ وبلبلتِكَ ما بينَ وادٍ وشعبٍ وكهفٍ في ( وَعَرْ )، ولا تستهجن مُفاجَأَتُهَ إيّاكَ بقرنينِ متى كَبُرْ...
* في إِجابَةٍ للشّاعرِ عن رأيِهِ حولَ قرارِ اتّخاذِ القُدسِ عاصِمَةً للثّقافِة العربيّة، وذلِكَ في أمسيَةٍ أقيمت له في منتدى صحيفةِ الدّستور الأردنيّة قبل شهور ( أغسطس 2008 )، قَبَّحَ وَلَعَنَ وشَتَمَ وازدَرى وسَخِرَ واستنكَرَ وأبدى امتِعاضًا وأظهر استياء..
أمّا الأسبابُ فقد عدَّدَها وصَنَّفَها وهي كثيرَةٌ كثيرة..
وفي يومِ إعلانِ انطلاقِ فعاليّات ذلِكَ الشّيئ المستهجنِ والملعونِ والممقوتِ لديه، أطَلَّ علينا الشّاعرُ من شاشةِ إحدى الفضائيّات العربيّة مطلِقًا قذائفَهُ الشّعريّةَ على همجيّة وغوغائيّةِ الاحتلالِ كيف يمنعُ إقامة الاحتفالات هنا أو هناك، مغلّظًا القَسَمَ بأن ستبقى القدس عاصمَةً لا للثّقافةِ العربيّةِ والعربِ فحسب، وإنّما للجهادِ أيضا...
لماذا يا تُرى لا يفتأ الشُّعراءُ يصِرُّ الواحِدُ منهُم إثباتَ: \"... أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وادٍ يهيمونْ * وَأَنَّهُمْ يقولونَ ما لا يَفْعَلونْ \".. أوليسَ الشّعرُ بحثًا عن الحقيقةِ وكشفًا لها!!
والغريبُ أنّ عشراتٍ من أهل الثّقافةِ والعلمِ والفنّ نهجوا نهجَه واستنّوا سُنّته، فغيّروا وبدّلوا..
فسبحااااااااااااااااااانَكَ يا مُغيّرَ الأحوالِ سُبحانَك.. أَقِصرُ ذاكِرَةٍ أم قَسْرُ مقامٍ إعلاميّ؟؟!!
* تُرى أَيُّ فلسفةٍ عبقريّة، أَيُّ تنظيرٍ فحلٍ، وأيُّ أطروحاتٍ عِظامٍ تلكَ الّتي يمكنها أن تُفسّرَ خشيَةَ القَذيفَةِ من الوردَةِ، رهبَةَ الرّصاصَةِ من اللّوحَةِ، فَزَعَ الميركافا من الرّقصَةِ، رعشَةَ الـ إف 35 في حَضرَةِ اللّحنِ والدّفقَةِ، خوفَ الأساطيلِ من الإزميلِ، رُعبَ القلاعِ النّوويّةِ من القصيدَة..
فقط هي فلسفةُ المحبّةِ ونظريّةُ الحياةِ يمكنُها ذلك..
* أرادَتها العربُ عاصِمةً لثقافتِهم هذا العام، فكانَت، وما أدقّه من اختيارٍ لتمثيل تلك الثّقافة: ثقافةُ انهزامٍ وهوانٍ وضعفٍ وتشرذُمٍ وتفتُّتٍ وانقسام، ثقافةُ جهلٍ وَانكسارٍ وَذِلَّةٍ وتبعِيَّةٍ واستبدادِ سُلطان، ثقافَةُ تآمُرِ حاكِمٍ على شعبِهِ، وترويعٍ وتجويعٍ وقمعٍ وقهرٍ واستِبدادٍ وَانقِياد، ثقافةُ خِصيانٍ وَمُخَدّرينَ وسُكْرٍ وَحَشيشٍ، ثَقافَةُ إهمالٍ ولا مُبالاةٍ ولا تَضحِيَةٍ واستسلامٍ وخنوعٍ ورضوخٍ لاحتلالٍ واقتتالٍ داخليّ وإفلاسٍ سياسيّ..
تأخّرتْ العربُ كثيرًا، تأخّروا في اختيارهم لها قروووووونًا، مُذ سلّمَ الكامِلُ مفاتيحها للفرنجيّ ليخلُصَ بفتاتِ مُلكٍ ونفوذ.. أو فلنقُلْ عقودًا على الأقلّ، مُذْ داسَتْ فَدَنّسَتَ تُرابَها بساطيرُ عسكرِ بلفورَ وصهيون..
* أسفل شاشَةِ قناةِ الأقصى الفضائيّة، يَمُرُّ بِكَ فجأةً خَبَرٌ في شريطٍ إخباريٍّ طَفِقَ هُوَ الآخرُ شحنَهُ بالأخبار نفسها كلّ يوم، يَبصِقُ في وَجهِكَ بصقةً ثانيةً قائلاً: حماس تنفي كذبَ وافتراءَ السّلطة وأذناب السّلطة منعَها احتفالاتِ القدس عاصمة الثّقافة العربيّة في غزّة..
* البلاغَةُ الإيجاز..
حقّقت احتفاليّةُ القدسِ عاصِمَةً للثّقافةِ العربيّةِ قمّةً بلاغيّةً بأن أوجَزَتْنا، فكانَتْ الوصفَ الأَدَقَّ لحالِنا الأَبشَعْ..
* جعلوها مواقِعَ خمسة.. أو فلنقُلْ أشباهَ مواقِعَ خَمسة.. تنطلِقُ منها في آنٍ واحدٍ احتفاليّاتُ القدسِ عاصمةً للثّقافة العربيّة: القدس، بيت لحم، النّاصرة، مار إلياس، وغزّة.. وهوَ تعَدُّدٌ الّذي ما بيدِهِ حيلةُ جعلها موقعًا واحِدًا..
لقد رَبَطوا بين المواقع تلك بموجاتٍ الكترونيّةٍ وشاشاتِ بثٍّ فضائيّ مباشرٍ وأجهزةٍ متقدّمة، في محاولةٍ عابثَةٍ منهم للتّغلُّبِ على مرارةِ واقعِ التّشرذُمِ والشّتات، وتحقيقًا لرمزيّةٍ تفيدُ بأنَّ الاحتلالَ لا يمكنّه أن يفرّقنا أبدًا، وأنّنا دائمًا موحّدون.. فيا ليتَ حياتَنا بثًّا فضائيًّا أبديّا لا ينقطع..
لقد أرادوا إثباتَ عكسِ واقِعِ الحالِ فأكّدوا عكسَ ما أردوا أن يثبتوا.. أرادوا ولو لبضعِ ساعاتٍ أن ينسونا ما نحنُ عليهِ فأيقظوا فينا ما أنساناهُ الزّمنُ.. وأكّدوا لنا كم نحنُ ضائعونَ ومشتّتونَ وهائمونَ وغرباء في أوطاننا.. ذكّرونا بأنّنا إمّا لاجئونَ في المنفى ( مار إلياس )، أو سُجُناءَ في أوطاننا ( النّاصرة )، أو مُحاصَرونَ مُشرّدونَ آلمونَ ( غزّة )، أو مُكَبّلونَ حائرونَ تائهونَ ( بيت لحم )، أو مُهَدّدونَ بالرّحيلِ مُقيّدونَ بالجدارِ بائسونَ جائعون ( القُدس )..
* دائمًا يَنجَحُ الاحتلالُ بإبكائنا مَعًا، لكنّني لا أَعلَمُ لما يُمانِعُ دائمًا أن نفرَحَ مَعًا..