غربة وطن/ أيهم النميري
مضى وقت طويل على رحلة سرب الطيور المسافر المغادر الذي يطوي في أحضانه الشوق والحنين لمسقط رأسه، هل تساءل أحد هذه الطيور في مخيلته عن مدى حاجته للشوق والحنين؟ ليس لمسقط رأسه فحسب، بل لكل ما يحيط بهذا المكان المقدس بالنسبة له وبالطبع بالنسبة لكل كائن حي، فالحنين للوطن كالحنين للأم،كشوق الياسمين والورود للماء،كشوق الندى للريحان مااجمل الجنان! أتشوق لأتنفس من أحياء ممتدة إلى منزلي، واحن إلى الدرج المؤدي إلى بيتي و أتلهف الى معاينة جدران غرفتي وأتذكر ما رسمت على جدرانها في مخيلتي، والتفتت إلى ياسمينتي تعاتبني على صبرها في غيابي ولم أتردد من دموعي أن ارويها والى الشمس اهويها، في لحظتها همست نافورتي وبعثت في أرجاء البركة الحياة والفرح لعودتي، والطيور التي كنت احويها في أعالي البيت سكنت أعشاشا وفي قلبي أحييها، والجوريات يصطفن بانتظام كما تركتهن ليقمن بإلقاء التحية كما اعتدن كل صباح، مللن من بعث ونشر عبقهن لغير صاحب فنسين ما بداخلهن.
العصافير التي كانت كل صباح على موعد معي لأقدم لها الطعام والتي الفت هذا المكان لم تعد حتى تلجأ إلى البيت بوقت البرد والنوم، ماذا فعلت بسكان البيت! ماذا حل بحارتي التي كانت تعج بالحياة والأصوات، إني لا أسمع أصوات تدل على حياة ولا على موت وكأن سكانها هجروها قبلي وبدون سابق إنذار، الخوف يملا المكان وكأن الأرض لم يطؤها إنسان،ما أغرب هذا الزمان! وعندما خرجت إلى الشارع لأثبت خطأ إحساسي بدت شيئا فشيئا تهيئاتي بالذوبان لأني رأيت أناس وأرض وأطفالا ولكن أناس نائمون بسبات وأرض بدت جرداء وأطفال وكأن أصابهم التعب واليأس، والبيوت مصطفة مثل بيت في قصيدة شعر ولكن الناس مثل الحشو، مثل لامعنا، مثل لامحل لهم من الاعراب، وكأن الغربة التي تركتها من خلفي احتلت أيضا مكاني بعدما استنزفت عمري ووقتي وأفراحي.
الشمس التي كانت تعطي الدفء وبداية يوم سعيد لكل البشر القاطنون أصبحت تشع مع أشعتها بردا سليطا وأصبحت لا أتمنى أن أبدأ يومي برؤيتها، والسماء أصابتها الشيخوخة وبدت الشقوق في أرجائها، والقمر في الليل يبدو ملوث، وبل لا يبدو قمراً وقد أصابه بترٍٍٍٍٍِِِاً وكِبرا، أين القمر الذي كنا نغني على ليلاه ويسمعنا طرباً فأصبح يسعنا ضربا، أصبح وكأنه يقضي بأمر ربه ليلا وكأنه يسجل حضورا كما الناس هنا ويترك الدور للشمس في اليوم التالي.
والنجوم إن ظهرت فهي تظهر وكأنها تريد السقوط، وأصابها الملل من غياب من يراقبها وأصابها الظلام والطمس فأصبحت السماء مليئة بالنجوم السود الهاوية.
وفي وقت غروب الشمس كنت أتذكر من أيامي ما يسمى الغسق كان منظر إبداع خالق، لكن ما رأيته بعد عودتي شيء مريب يدعو للخوف بالفعل وكأن حروف الأبجدية تناثرت، والغسق تبدلت أحرفه، وأخذت الفاء بضمها مكان الغين، حتى الحروف أصابتها العلة وأصبحت أحرف الأبجدية كلها أحرف علة وأصابتني العلة معها.
عند إقامة صلاة المغرب خيل لي أن الناس ذاهبون لإقامة العزاء،ويحملون سجاداتهم وكانهم ذاهبون لدفن احد ابنائهم
وجوه منقوش في تفاصيلها الموت،وعند انتهاء الصلاة يتسابقون للخروج وكأنهم كانو يعذبو وانتهت فترة تعذيبهم وحان الوقت للذهاب للجنة حسب تهيآتهم، كانت اقرب صورة للموت الذي لم تعرفه حارتي.
في آخر الليل يأتي بعض الناس ليأخذوا مكان القطط المتشردة في الحاويات الفارغة، حتى القطط لم تعد تألف هذا المكان إلا لتبحث عن بقايا البقايا التي تركها هؤلاء الناس.
وأنين وصراخ الأطفال الذين لم يناموا، ولم يأكلوا، ولم، ولم ......، أصبح اعتيادي ومألوف لسكان المكان، إذا لم يسمع صراخ من بيت ما يكون أحد الاحتمالين الآتيين:
إما قد فارقوا الحياة وإما وجدوا فتاتا ليتأملوه وفي كلتا الحالتين محسودون.
والشيء الوحيد الذي يجمعهم ويضعهم جنبا إلى جنب وجسد واحد على نقيض عادتهم هو البرد والسقيع، تراهم في زاوية واحدة يلتفون على بعضهم والبرد يسكن بيوتهم أكثر منهم، وكأنهم ضيوف عنده يقدم لهم الضيافة في كل ليلة، حتى الموت أصابه الملل من هؤلاء الناس الذين يتلفظون دائما باسمه فتركهم، ولم يعلم انه قد قتلهم أيضا.
في الصباح اعني الصباح الذي جميعنا نعرفه، لن أعيد ما قلته بالبداية لأنها النهاية،
من أين لي أن أجد مكاناً يأويني بعد ذلك! هل أترك وطني وأعود إلي الغربة! الغربة التي ماهي إلا أداة لتأجيل الموت وحسب، إن من الممكن إني قد تعودت على أن أكون غريباً حتى في بلدي، أني سأحزم حقائبي وأعود إلى الغربة مرة أخرى لعل في المرة الأخرى أرى سحابة الغربة تزول عن وطني.