الجامعة العربية استنفذت دورها
الجامعة العربية استنفذت دورها ومؤسسة القمة آلية بلا مضمون
أكتب هذه السطور عشية القمة العربية التي من المفترض أن تكون قد انطلقت يوم الأربعاء (28/3)، في العاصمة السعودية، الرياض. وبما أن هذه السطور تكتب قبل افتتاح القمة رسميا، فإنها لن تتطرق إلى مجرياتها أو ما قد يقع فيها، على أساس أنها لم تقع بعد لحظة الكتابة. أيضا، فإنني سأسعى عبر هذا المقال إلى أن أتجنب ما وسع الأمر أي نبرة قد تبدوا تشاؤمية، أو أحكاما مسبقة، مع ضرورة التسجيل هنا، بأن أي نبرة أو أحكام مسبقة تشاؤمية، لها في هذا السياق ما يدعمها ويعضدها، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التجارب التاريخية السابقة لمدة اثنين وستين عاما، هي عمر الجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945. أبعد من ذلك، فإن هذا المقال لا يستهدف بالدرجة الأولى مناقشة هذه القمة بذاتها ومخرجاتها، بقدر ما يهدف إلى مناقشة دور الجامعة العربية كحاضنة مفترضة للعمل العربي المشترك، وآلية القمة التي تحولت إلى آلية سنوية دون مضامين وآليات متابعة حقيقية.
قمم كلها مصيرية.. ولكن!!
التصريحات الصادرة عن المسؤولين العرب هذه الأيام تشدد على أن هذه القمة مصيرية، وهي في الحقيقة تصريحات تكررت في كل القمم السابقة. يعني لا جديد هنا. وللأمانة، فكل الكلام الذي قيل ويقال، والمداد الذي أسيل ويسال عن مصيرية هذه القمم، له مضامين وأسانيد قوية. فلكل قمة سياقاتها الزمانية والمكانية والظرفية الهامة التي عقدت فيها. فثمة قمم كثيرة عقدت في خضم تصعيدات سياسية وعسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي على مراحل زمنية مختلفة، أو مع الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا في الخمسينيات من القرن الماضي. وثمة قمم عقدت في ظل اجتياحات إسرائيلية لدول وعواصم عربية، وأخرى عقدت في ظل خلافات عربية-عربية، أو اجتياح دولة عربية لدولة عربية أخرى. وثمة قمم عقدت لتشريع دخول قوات أجنبية لمحاربة دولة عربية... وهكذا دواليك. طبعا، عدم التفصيل هنا في السياق التاريخي مقصود، والهدف منه هو التأكيد على أن كل القمم العربية السابقة عقدت في ظل أجواء وظروف "مصيرية"، ولكن أين انتهت؟
الجواب طبعا معروف، ولا أريد أيضا التفصيل فيه، ويكفي أن أذكر هنا أنموذجين اثنين يوضحان حالة هذه القمم والإرادة العربية. ففي قمة شهر آذار/مارس عام 2002 المنعقدة في بيروت، تقدم العرب بمبادرتهم للسلام الشامل مع إسرائيل ومدوا لها يدا تحمل غصن زيتون أخضر، فكان الرد الإسرائيلي بعد أيام باجتياح كامل الضفة الغربية، فيما عرف حينها بعملية السور الواقي، والتي حوصر فيها، ومن حينها، الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، إلى أن انتهى الأمر بوفاته في ظروف غامضة أواخر عام 2004، دون أن تتمكن قمتان تاليتان قبل وفاته من رفع الحصار عنه. أيضا، في مطلع آذار/مارس 2003 عقدت قمة عربية أخرى في شرم الشيخ في مصر، عبر فيها القادة العرب عن رفضهم القيام بأي عمل عسكري ضد العراق، ولم تكد أسابيع ثلاثة تمضي، حتى كان العراق يتعرض لعملية غزو أمريكية-بريطانية، منطلقة للأسف من أراضي دول عربية مجاورة. بل إن دولا عربية أخرى بعيدة نسبيا من ناحية جغرافية عن العراق، ساهمت في تسهيل هذا الغزو، وكمثال على ذلك وفي مفارقة صارخة، أن تكون الدولة المضيفة مصر، قد سهلت عبور بوارج حربية أمريكية-وبريطانية عبر قناة السويس لضرب العراق، بحجة أن هذه القناة مفتوحة للملاحة البحرية الدولية!!.
وفي قمة اليوم، التي يقول المسؤولون العرب محقين إنها مصيرية، ثمة مسائل كثيرة ذات بعد مصيري. فثمة الوضع الفلسطيني الذي يزداد تعقيدا كلما لاحت بوادر انفراج في أفقه. وثمة قضية دارفور ولبنان والصومال وسوريا والملف النووي الإيراني و.. و.. و.. الخ. ملفات كثيرة تنتظر الحسم، ولكن هل تراها تحسم فعلا؟
في الموضوع الفلسطيني، يبدوا أن العرب قد حزموا أمرهم باتجاه تبني المبادرة العربية، المقدمة في قمة 2002 في بيروت من قبل العاهل السعودي (ولي العهد حينئذ) الملك عبد الله بن عبد العزيز، والتي تدعوا إلى تطبيع وسلام عربي شامل مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكلي من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967 وما بعده، طبعا بالإضافة إلى بعض البنود الأخرى التي تتعلق بالحقوق الفلسطينية، مثل حق العودة. هذه المبادرة كسبت الآن مزيدا من الزخم، خصوصا بعد أن وافقت حركة حماس بعد اتفاق مكة في شهر شباط/فبراير الماضي برعاية الملك عبد الله بن عبد العزيز، على القبول بها على أساس أنها أدنى ما يمكن التوافق عليه عربيا. أضاف إلى هذا الزخم، الرفض العربي قبل أيام من انعقاد القمة، للنداءات الإسرائيلية والأمريكية لتعديل المبادرة لإلغاء النص على حق العودة، فضلا عن مطالبتهما (أي أمريكا وإسرائيل) عدم ربط أي تطبيع وسلام بين الدول العربية وإسرائيل بالتقدم على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي.
لا شك أن الممانعة التي أبدتها الدول العربية في هذا السياق إيجابية. ولكن يبقى الخوف من أن يتم تنفيس هذه الممانعة، عبر بوابة الضغوطات أو الإغراءات، خصوصا في مرحلة ما بين هذه القمة والقمة العتيدة التالية المرتقبة. وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس وصلت إلى المنطقة العربية قبل أيام من انعقاد القمة العربية، وعقدت اجتماعا مع وزراء خارجية وقادة أجهزة مخابرات ما أصبح يعرف بـ"الرباعية العربية"، وهي مصر والسعودية والأردن والإمارات. التقديرات تشير إلى أن هذا الاجتماع وآخر سبقه قبل عدة أسابيع تأتي بهدف تحضير الأجواء في المنطقة لاستهداف إيران أمريكيا، إلا أن عاملا آخر أضيف للاجتماع الأخير، يتعلق بضغوطات أمريكية مورست على الدول العربية لتعديل المبادرة العربية، بشكل يسمح لإسرائيل بقبولها. بمعنى آخر تجريدها من مجمل الحقوق الفلسطينية والعربية التي تتضمنها في حدودها الدنيا. هذه الضغوط ترافقت مع تحركات لقادة بعض الدول العربية، المحسوبة على "محور الاعتدال" الأمريكي، في محاولة لإقناع الدول العربية المؤثرة لتعديل المبادرة العربية بما يتوافق مع المطالب الأمريكية الإسرائيلية.
ولذلك فمن حق كل المراقبين أن يشككوا بإمكانية تمسك العرب بهذا المبادرة، بشكلها الحالي (حتى وإن نص على ذلك في مقررات القمة)، بما تمثله من توافق على الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية والعربية، وذلك على أساس أن الصف العربي اخترق عمليا في هذه المرحلة، وثمة توقعات بمزيد من الانهيارات في الجدار العربي فيما يخص هذه المسألة. ومرة أخرى، فإن التاريخ لا يلعب في صالح الأمل. فكل القمم السابقة اتخذت فيها قرارات ذات سقوف مرتفعة إلا أنها عادت لتعدل بوصلتها باتجاه التفريط في قمم لاحقة. أم يا ترى هل نسينا قمة "اللاءات الثلاث" في العاصمة السودانية الخرطوم في آب أغسطس عام 1967، والتي نصت على: لا للصلح، لا للسلام، ولا للاعتراف بإسرائيل، إلا أن المنحى الهندسي منذ تلك القمة بدأ بالانحدار حتى وصلنا اليوم إلى "النعمات الثلاث": نعم للصلح، نعم للسلام، ونعم للاعتراف بإسرائيل. وأما من يرفض هذه "النعمات الثلاثة" فإنه يعرض نفسه لحصار وعزلة عربية قبل أن تكون دولية.
نفس الأمر ينسحب على قضية دارفور. فالعرب قد يطالبون بضرورة عدم التدخل الدولي في الأزمة وحلها سودانيا وسياسيا. ولكن على أرض الواقع فإن الأمور قد تسير باتجاه هذا التدخل، بما فيه العسكري. والتجربة أيضا تقول، بأنه حتى وإن لم يساعد بعض العرب بمثل هذا التدخل الأجنبي السافر، فإنهم قد يصمتون صمت الراضين. وقس على ذلك الوضع في لبنان، والذي لم يعد مسألة معادلة سورية إيرانية سعودية، بقدر ما أصبحت إسرائيل وأمريكا والغرب عموما أطرافا فاعلة فيها، في حين يتمزق لبنان اليوم بين مسلم ومسيحي، شيعي وسني، رئاسة وحكومة... الخ. وهكذا دواليك فيما يخص الموضوعات الأخرى.
البعض قد يسأل أين مكن الخلل في العمل العربي المشترك؟
وبقدر ما أن السؤال معقد فإن الإجابة أكثر تعقيدا منه. فهل فعلا ثمة شيء اسمه عمل عربي مشترك!؟ وهل ثمة منظومة عربية وفضاء عربي!؟ وهل يا ترى توجد إرادة عربية!؟ أعلم أن الإجابة تطرح تساؤلات أكثر مما تقدم حلولا، ولكن للأسف هذا هو الواقع.
ما بين أوروبا و"المنظومة العربية"
لقد عدت لتوي من زيارة عمل لإيطاليا للمشاركة في مؤتمر عقدته لجنة تابعة للأمم المتحدة عن الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني. أكثر ما لفت انتباهي في هذه الزيارة هو ذلك الفضاء الأوروبي الواسع الذي ترتب على مشروع الوحدة الأوروبية. فيكفي أن تحصل على فيزا من سفارة إيطاليا مثلا، حتى تكون مؤهلا لزيارة معظم أوروبا بذات التأشيرة. فمثلا في سفرتي هذه هبطت الطائرة أولا في مطار فرانكفورت في ألمانيا، وفيها تم إنهاء كل إجراءات الهجرة، بحيث أن الرحلة من ألمانيا إلى إيطاليا تحولت إلى رحلة وكأنها داخلية لا دولية، وكأنك تسافر ما بين واشنطن وشيكاغو. ما يثير الفضول أكثر، أن ترى تلك اللغات المنتشرة في فضاء أوروبا كالفطر، ومع ذلك فإن هذا العائق لم يمنع الوحدة بين دولها. لقد كنا نسير في شوارع إيطاليا مثل البكم، حيث أن غالبية الإيطاليين لا يتكلمون اللغة الإنجليزية، وكان تعاملنا معهم في الغالب بلغة الإشارات، ولا شك بأنهم أيضا لا يفهمون الفرنسية ولا الإسبانية.... الخ، والعكس كذلك صحيح، إلا أن أحدا هناك لم يقل بأنه لا ينبغي لنا التوحد.
لقد توحدت أوروبا لأنها عقلت أنه بدون وحدتها فإنها لن تكون إلا كيانا مهملا في القرن العشرين والواحد والعشرين، كما هم العرب والمسلمون اليوم. فدول أوروبا لم تعد هي تلك الدول الكبرى والغنية في الأمس. وبريطانيا وفرنسا العظميين في الماضي القريب لم تعودا شيئا أمام مستعمرات سابقة لهما، كما في أمريكا الشمالية والصين. ولذلك فبدون وحدة أوروبا سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، فإنه لا مجال لها للمنافسة أمام كبار اليوم وكتل آسيا الاقتصادية وغيرها.
قارن ذلك بحال الدول العربية، والتي يجمعها فضاء ديني وثقافي وتاريخي ولغوي وجغرافي واستراتيجي واحد. أين حال ما يسمى بـ"المنظومة العربية" تجاوزا من حال المنظومة الأوربية!؟ هل يعقل أن هذه الدول العربية والتي يوحدها الدين واللغة والتاريخ والمجال الجغرافي والاستراتيجي غير قادرة على تحقيق ما حققته أوروبا المتشرذمة ثقافيا ولغويا!؟ لقد أثبتت تجربة أكثر من خمسة عقود من تاريخ الدول العربية القطرية المستقلة فشلا ذريعا على كل الصعد والمستويات. نعم، فشلت اقتصاديا وسياسيا وأمنيا واجتماعيا... الخ، فماذا ننتظر أكثر من ذلك وإلى متى؟
هل يعقل أن تكون دول عربية تعاني فائضا سكانيا وفي الأيدي العاملة كما في مصر، في حين تعاني دول خليجية، كما في الإمارات من نقص سكاني وفي الأيدي العاملة. في مصر مثلا الحالة الاقتصادية صعبة والوظائف قليلة، وفي الإمارات لا يتجاوز عدد السكان الأصليين 4%، ومع ذلك فإن أغلب اليد العاملة الأجنبية هي من الهند وسيريلانكا وإيران.. الخ. طبعا هذا ليس إلا مثالا واحدا، وقس عليه كل دول الخليج الغنية بالثروات النفطية، ولكن الفقيرة سكانيا، ومع ذلك فإنها تلجأ إلى استيراد أيد عاملة أجنبية غير عربية وفي حالات كثيرة غير مسلمة، بما يهدد بخلخلة بنى هذه الدول سياسيا وثقافيا وسكانيا واجتماعيا، بل وحتى دينيا. إن هوية الكثير من دول الخليج العربي مهددة بالطمس ثقافيا ولغويا بسبب العمالة الواردة، في حين أن دولا عربية أخرى مهددة بالانفجار سكانيا واقتصاديا بسبب شح الإمكانات. ذات المعنى ينسحب على دول عربية أخرى غنية بالمياه والأراضي الخصبة، ولكنها لا تجد أموالا تستثمرها، كما في السودان، في حين تشرف دول المغرب العربي على سواحل وثروات سمكية هائلة، ولكنها تنهب من قبل الاتحاد الأوروبي لغياب الإمكانيات والتمويل. بكلمة، فإن الفضاء العربي، فسيفساء متسقة، تمتلك كل عناصر الاندماج والتوحد والتكامل في أفق نحت موقع مرموق دوليا، إلا أن غياب الإرادة والأفق الاستراتيجي يمنع هذه الرؤية الاستراتيجية من التحقق. فللأسف كل دولة بما لديها فرحة!!.
الجامعة العربية... مشروع غير قابل للتطور
لا شك في أن الجامعة العربية، بصيغتها الحالية غير قابلة للتطور. فهي لم تنشأ نتيجة قناعة ورؤية استراتيجية للتكامل. ولعل في أصل الفكرة ما يجلي حقائق الواقع القائم اليوم. فأصل فكرة الجامعة العربية جاءت من صلب تفكير وزير خارجية بريطانيا أنتوني إيدن وذلك في خطاب له في 29/5/1941، ذكر فيه: "إن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب العالمية الماضية، ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة أكبر مما تتمتع به الآن. وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف، ولا ينبغي أن نغفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا. ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق وجود تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية أيضاً... وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأي خطة تلقى موافقة عامة". وبعد أقل من عامين من هذا التاريخ وتحديداً في 24/2/1943 عاد إيدن يصرح في مجلس العموم البريطاني بأن الحكومة البريطانية: "تنظر بعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية". هذا التفسير، أو هذه الرواية للأحداث ليست تجنيا من عندي، بل إني نقلتها كما هي عن موقع الجامعة العربية على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت). فالأسس النظرية للفكرة، جاءت من المُسٌتَعٌمِرِ للمُسٌتَعٌمَرِ وهو واقع تحت الاحتلال. أي أنه من غير المعقول أن يسعى المُسٌتَعٌمِرُ إلى خلق كيان وحدوي ونهضوي لضحاياه حتى لا يسعوا إلى حشد قواهم لرد عدوانه ونهبه.
هذه الأسس وجدت طريقها إلى ميثاق الجامعة العربية، والذي نص على أن قراراتها تتخذ بالتوافق وأنها ملزمة فقط لمن يقبل بها!! بمعنى آخر فإن هذه الجامعة منظمة بلا أسنان، وهي أقرب إلى ناد هواة منها إلى منظمة دول. أبعد من ذلك، فإنه حتى فيما يتعلق بالقرارات التي اتخذت بالتوافق، والأصل أنها أصبحت ملزمة لكل الدول التي قبلت بها، فإنها بقيت حبرا على ورق، بل وخالفتها الدول صاحبة الشأن بشكل فظ وفج دون أدنى مسؤوليات تترتب عليها. خذ كمثال على ذلك، معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950 والتي تشير بوضوح إلى تشكيل هيئة للدفاع المشتركة تمثل فيها الدول بوزراء الدفاع ووزراء الخارجية، فضلا عن تشكيل لجنة عسكرية تتبع لها، تمثل فيها الدول بمثلي هيئات الأركان، وذلك لوضع الخطط الدفاعية والحربية المشتركة. كما تنص هذه المعاهدة على أنه لا يجوز لأي دولة عضو أن تعقد تحالفات دولية خارج هذه المعاهدة.
هذه المعاهدة، تم استباحة كل محرماتها. فكم من دول عربية اجتيحت أراضيها واحتلت دون أن يُفَعِّلَ ذلك هذه المعاهدة!؟ في مطلع الثمانينيات مثلا، حوصرت العاصمة اللبنانية، بيروت، لمدة ثمانين يوما والعرب يتفرجون! وفي مطلع التسعينيات شاركت جيوش عربية في حصار وضرب العراق العربي ضمن تحالف دولي قادته الولايات المتحدة! أيضا، لم تمنع هذه المعاهدة العراق مثلا من أن يحتل الكويت! ولم تمنع هذه المعاهدة صدامات عسكرية بين دول عربية كالمغرب والجزائر.. وهلمَّ جرا.
باختصار، فإننا ونحن نتمنى أن تُفَعِّلَ هذه القمة القرارات "المصيرية" التي ستتخذها، إلا أننا نشك في ذلك. القرارات التي قد تتخذ، قد لا نختلف كثيرا على أهميتها، وإن كنا نراها دائما في الحدود الدنيا، ولكن المشكلة ليست في بيان ختامي إيجابي نوعا ما، بقدر ما أنها في آليات التنفيذ والتفعيل على أرض الواقع. ويبدوا أن الجامعة العربية ليست هي الصيغة المناسبة لتحقيق ذلك، وذلك لأن الهدف من تأسيسها لم يكن لذلك.
لقد استنفذت الجامعة العربية دورها وفشلت في تحقيق تفاهمات والتزامات الحدود الدنيا، وحان الوقت للتفكير بصيغة أكثر إبداعية وعملية وفاعلية. هذا ليس تشكيكا في النوايا ولا هو تهوينا لمجهودات الجامعة، بقدر ما أنها حقيقة واقعة، وإن كانت مرَّة. إن التحديات "المصيرية" التي تواجه المنطقة اليوم تحتم عليها تفعيل "آلية الإرادة"، وذلك قبل أن يأتي الطوفان ويجرف الجميع. فليس من المعقول أن تبقى المنطقة الموحدة في كل شيء، إلا في أنظمتها ومصالحها، على هذه الحال المزرية، في حين يتقدم الآخرون حتى في إفريقيا باتجاه الديمقراطية والتكامل والوحدة، في حين لا زالت المنطقة العربية ترزح تحت وطأ دكتاتوريات وممالك طوائف تعطي ولائها للخارج أكثر ما أنها مهتمة بشعوبها ومحيطها. كيف يمكن أن نفهم، أنه في عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية، يبقى الفضاء العربي وحده معزولا عن إدراك هذا المعطى الاستراتيجي!؟ حتى أمريكا نفسها، القوة العظمى الوحيدة اليوم، توجهت إلى التكتل الاقتصادي عبر اتفاقية المنطقة الاقتصادية الحرة لشمال أمريكا، "نافتا"، والتي تضم في عضويتها بالإضافة إلى أمريكا كلا من كندا والمكسيك. دعك عنك دول آسيا وغيرها.
إن تشظي الأمة العربية، والتي يوحد غالبيتها العظمى دين واحد، ولغة واحدة، وتاريخ واحد، وجغرافية واحدة، ومجال استراتيجي واحد، ومستقبل واحد، ومصير مشترك، أمر يسير ضد حقائق الواقع الكامنة. فسواء شئنا أم أبينا، فإنه بدون اندماج، حتى ولو كان في الحدود الدنيا، فإن المنطقة ستبقى نهبا لكل طامع وغازي ومستعمر. كما أن شعوب المنطقة سيبقون رهائن الخوف والفقر والتقلبات. إنه الواقع أحببناه أم كرهناه، وليست القضية إيديولوجية، بقدر ما أنها حقيقة قائمة.
أسامة ابو ارشيد هو كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن