سلوان وحق البقاء
في ظل حالة البلبلة وعدم الاستقرار السياسي على الأصعدة الثلاث: الفلسطيني، الامريكي والاسرائيلي، تأتي المؤامرة المدروسة لتهويد بقايا الوجود الفلسطيني على أرض القدس لتصل ذروتها ممثلة بحملات جديدة من أوامر الاخلاء والهدم من جهة وتشريعات قانونية لدمث معالم تاريخية ودينية من جهة أخرى، ناهيك عن المخططات الاستيطانية الضخمة في القدس وجوارها. في الاونة الاخيرة يجري الحديث عن قرابة التسعين أمراً للهدم في حي البستان وحده في سلوان كما تضاف إليها مئات الملفات القديمة، الحديثة وتلك طور التخطيط لمناطق وأحياء عربية اخرى. يذكر أن مخطط لهدم 88 منزلا في سلوان قد أاصدر قبل 5 أعوام على يد مهندس البلدية الذي تم تعديله مؤخراً وطرحه من جديد. تخضع المناطق المحيطة بالبلدة القديمة وسكانها الفلسطينيون لمخاطر الهدم والاخلاء العنصرية منذ إحتلالها عام 1967 ويذكر انه تم كشف النقاب في صيف العام 2005 عن مستند يصف مخطط إسرائيلي يعود لسنة 1977 يقضي بتحويل المناطق المذكورة إلى حدائق عامة، وقد وصف وبوضوح معدو المستند من خلاله غاية هذا المخطط بانه يأتي لايجاد أساليب للسيطرة على المناطق العربية الملاصقة للبلدة القديمة وإخلائها من سكانها لتحول إلى حدائق عامة أبرزها حديقة "عير دفيد" المتاخمة لسور البلدة القديمة.
سلوان، هي مثال حي لصمود الوجدان الفلسطيني المستهدف بإستمرار على أرض القدس، فيتعرض أهلها الاصليين لشتى أنواع التضييق والقمع منذ عشرات السنين في الحين ذاته نشهد سياسة التسهيلات والاغراءات المتبعة من قبل السلطات لتسكين اليهود في القدس وضواحيها. برغم الواقع الحياتي الصعب وبرغم إنعدام أدنى الظروف المعيشية إلا أن السلوانيين أبوا الرحيل، ففي سنة 1990 قاد صمود أهالي سلوان، اريئيل شارون، وزير الاسكان في حينه إلى تجنيد جمعية "العاد" الصهيونية المدججة بأموالها وأرصدتها الخيالية للعمل على تهويد المنطقة، واصفاً الجمعية بانها "جيوشه لتهويد سلوان"، ولم يأت توظيف كلمة "جيوش" مجرد صدفة. منذ تلك اللحظة قام أعضاء الجمعية بعرض مبالغ تفوق الخيال على السكان مقابل تخليهم عن بيوتهم، وحين أبدى الاهالي تشبثهم بالارض والمسكن لجأت الجمعية إلى عمليات تزوير المستندات والوثائق التي تلفق صفقات بيع كاذبة وصلت إحداها إن تم وعن طريق الرشوة إستراق "بصمة" مسنة لتوقع على وثيقة بيع بيت العائلة وذلك اثناء غسل جثمانها بعد وفاتها! وغيرها من المحاولات الاشبه بحكايا الخرافات. في خلال جولة كنت من مشتركيها في منطقة سلوان منذ قرابة عام، بإرشاد خبير وعالم الاثار الاسرائيلي جدعون سوليماني، والذي شغل قبل ذلك منصب المشرف المسؤول للحفريات الاثرية في منطقة القدس ومن ضمنها سلوان، أشار الاخير إلى بضع محاولات التهويد وفبركة الحقائق التاريخية والعلمية التي تاتي نتيجة سياسة مخططة وضغوطات من قبل جمعية "العاد" والتي تمول بنفسها مشاريع الحفريات الاثرية المدارة على يد علماء إسرائيليين وأجانب. وأعرب الخبير سوليماني بانه وبرفقة باحثان من زملائه يحاولون التصدي لعمليات التزوير الخطيرة والتي تقوم سلطة الاثار الاسرائيلية بالتغاضي عنها. جدعون سوليماني ذاته تحدث منذ بضعة شهور لوسائل إعلام مقدسية عن تزوير التقرير العلمي الذي أعده لمحكمة العدل العليا بخصوص مقبرة "مأمن الله" التاريخية في القدس والذي يوثق فيه وجود أكثر من الف قبر عربي وإسلامي على أرض المقبرة، والتي أقرت السلطات والمحكمة السماح بمشروع إقامة "متحف التسامح" المقرر تنفيذه على يد شركة إسرائيلية امريكية على أرضها بعد أن أشار التقرير الاصلي لسوليماني بحظر هذا البناء وهذا الانتهاك لقدسية المقبرة التاريخية. فتجري في هذه الايام عمليات التهيئة لمباشرة البناء المذكور والذي ويا لشدة المفارقة يسمى "بمتحف التسامح"!
كل هذه الامثلة، وغيرها الكثير، تأتي في سياق المخطط التهويدي الشامل للقدس العربية وضواحيها وعمليات القرصنة التي تخالف الاتفاقيات السياسية الدولية وتنتهك القانون الدولي الذي "يحظر على القوة المحتلة أن تقوم بأي تدمير للممتلكات العينية أو الشخصية الخاصة التي تعود ملكيتها لأفراد أو جماعات.. كما لا يجيز لدولة محتلة أن تعمل على تهجير أو نقل جزء من سكانها المدنيين إلى مكان اخر".
من هنا، وفي ضوء كل ما ذكر, فانه يتوجب على الجميع حشد كل الوسائل الشرعية وتوجيه الجهود اللازمة لاعلان موقف صادق وحازم لمناهضة الانتهاكات البشعة لحقوق اهالينا في سلوان ومنطقة القدس عامة وللتصدي لعمليات الهدم والاخلاء، فطالما وعلى مدار السنين اثبتت الجهود الجماهيرية قدرتها وشرعيتها، بمؤازرة أصحاب الحق في محنهم وللحد من ظواهر الاجحاف والظلم. فحق سكان القدس الفلسطينيين بالبقاء هو حقنا جميعا ولا يضيع حق وراءه مطالب كما ان المتباطئ في اخذ حقه هو الظالم لنفسه قبل أن يظلمه غيره.
إستندت بعض المعلومات على المصادر التالية:
-الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان: المبادرة الفلسطينية لتعمبق الحوار العالمي والديمقراطية -مفتاح.
-بتسيلم- لحقوق الانسان في الاراضي المحتلة.