لست قـــاتلاً - بقلم: مصطفى قبلاوي
لست قـــاتلاً
الخربشة الرابعة
كثيرون هم المبدعون الذين اعترفوا بأن قصور إبداعهم تشيد فوق الجثث..
يكتبون الأدب على دماء ساخنة تريقها أقلامهم بقمة قلة الأدب !!
...
ينظمون الشعر ,, يغنون ويعزفون بآلات موسيقية أهداها إياهم شخص آمن بهم ليقتلوه بها ..
ولأن الإبداع جريمة لا يحاسب عليها القانون , صار أصحاب الإحساس يمارسونها بلا إحساس !!
يقتلون من كانوا بدم بارد ..
وينتظرون ضحاياهم الجدد خلف أبواب القدر ..
في كفهم الأول قلم ..
وفي الكف الثاني سكّين !!
ولا أنكر ..
أنني منذ تشكلت براعم الحروف على أصابعي وأنا أمارس القتل اللذيذ ,, فأعبئ أوراقي بالجثث الحية وأنام قرب دفتري معتنقا ابتسامة النصر العظيم الذي يعطل حواسي ويمنعني من التقاط رائحة اللوم والنكران التي تعبق بها السطور !!
غير أنني قررت ..
والليلة بالذات ..
أن لا اكتب من اجل أن اقتل .. أو أنكر !!
بل سأكتب كي أعطي شهادة ميلاد موثقة لها ..
لأقر بأنها يوما كانت هنا ..
ترتشف القهوة من خلف شباك صغير يطل على كلماتي !!
لأعترف بأنها دوما كانت هنا ..
تساندني وتؤازرني ..وتسهر قرب كتاباتي ..
تناقشني ,, وتنقدني !!
كانت صديقتي الأولى ..
وعرابتي الأولى ..
وأنا ولأنني قاتل مقنع بقلم .. قتلتها بصمت ..
تركتها تتوه على دروب حماقتي ..
تركتها تغيب على دروب الموت !!
في خربشتي الرابعة ..
سأكتب عن صحفية مثلي ..
عن ثورية مثلي ..
التقيتها هناك ..
في كلية الإعلام .. قرب الجدار ..
تقف بعنفوانها الذي ترتديه أبدا .. وتنتظر !!
لا اعرف إن كانت تنتظرني أنا ..
كنت لا اعرفها ..
لا ألحظها ..
لكنني وبرغم جهلي التام بهويتها .. اقتربت !! ...
...
لربما فضولي كان يدفعني نحو وقفتها وحيدة داخل مبنى يعج بالناس !!
ولربما لكي أساعد وقتي أن يضيع حتى موعد محاضرتي القادمة..
كانت لطيفة حد اللطف ..
عاملتني بود .. واحترام كبيرين ..
رغم أنني لم أكن أكثر من متطفل على خلوتها أهداه إياها القدر على طبق من إزعاج !!
عرفتُ يومها أن اسمها "هبه" ..
غير أنني لم أكن انوي حفظ هذا الاسم لاعتقادي أنني لن أراها مرة أخرى !! , وفي حال شاء القدر أن التقيها فإنني لن اضطر لتذكر اسمها فقد يكفيني عندها أن ابتسم لها من بعيد وأسألها عن حالها وامضي .. حتى بدون أن انتظر إجابتها !!
...
غير أن القدر لم يأذن لي بالنسيان ..
وأصر على نقش اسمها في أيامي ..
فقد مرت بنا مراكب الأيام ونحن نبحر سويا أكثر ..
نلتقي أكثر ..
تغوص بنا الصداقة إلى عمق أكبر !!
وفجأة ..
وبدون إدراكي ..
صرت مرافقا شخصيا لها ..
صديقها الأقرب ..
ذلك الذي لا تخجل أن ترتدي أمامه اعنف أثواب البكاء ..
وأجمل أثواب الضحك !!
وكنت أنا ازداد تعلقا بحضورها ..
فقد كانت لافتة ..
تتقن فن الحديث .. وفن الصمت !!
تملك كل مفاتيح الخزائن السرية لنيل الإعجاب والتقدير ..والذهول!!
كانت "هبه" أول قارئة لحبري ..
أول من ينتقد ..
وأول من يصفق !!
كانت أول من يبكي ..
وأول من يضحك ..
وأول من يمزّق !!
وقد شهدت مولد معظم ما كتبت بينما كانت تجلس معي قرب فنجان قهوتنا الصباحي .. !!
كما ورافقتني دون كلل في كل محاولاتي اليائسة إلى دور النشر والتوزيع ..
تشجعني .. وتلملم شظايا خيبتي المتناثرة حولنا !! ..
وهكذا كنا ..
نقضي ساعاتنا معا ..
نقرأ , نكتب , نتابع ونناقش ..
نتجرد من كل ما أضافته الحياة على إنسانيتنا .. فتكون أمامي ليست سوى إنسانة مفعمة بالصدق ..
تقول ما يقال .. وما لا يقال !!
تزيل الشمع الأحمر عن كل ما علق في سراديب روحها وتطلعني عليه !!
وبادلتها بالمثل ..
..
لقد استطاعت هذه أل "هبه" فعلا أن تحولني حضرتها طفلا لا يتقن أي شيء سوى سهولة الاعتراف !!
وكثيرا ما امتدت أحاديثنا اللامنتهية ساعات وساعات , دون أن يهتدي إلى جلستنا الملل !!
...
وبعد عام كامل ..
قضيناه محلقين في سماء صداقتنا ..
بدأت عواصف عشق "ولاء" تضرب شواطئي ..
فصرت حال كحال كل العشاق ..
أعاني من اللاعقلانية في كل شيء ..
امضي مسلوبا توازني ..
احمل مزاجيتي على ملامحي المنهكة عشقا , وأسير !! ..
وبعد مضي شهور ..
بدأت اعتاد ردائي ألعشقي الجديد ..
وصرت أتحكم بلا عقلانيتي ومزاجيتي وتهوري ..
وقررت أن أحصي عداد من قتلت بطوفاني الغرامي الأعنف !!
فلم أجد سواها ..
ولم أشعر بالذنب على سواها ..
تلك الصديقة .. الرقيقة ..
التي رتبت أوراقي ,, ووضبتُ لها حقائب رحيلها بالمقابل !
..
فإن كنت لا تزالين تقرئين ما "أخربش" ..
فها أنا أقدم لك اعتذارا أنيقا ..
واعترافا أمام كل من يقرأ ,, بفضلك على رجل شرقي يدعى "مصطفى عاطف قبلاوي" ..
انتهت الخربشة !!