الورد الذي خرج من تربة العزيمة
التناقض في الصورة يفضي الى دهليز التعجب , الورود لاتشتكي من غربة الأصابع, لأن الأيدي تزنر الباقات , تضع الورود الحمراء في العلب بحرص واهتمام , لكن هناك سخرية من اللحظات , في توقيت الجوع والتشرد والبرد القارص , في ربوع الهدم والدمار , تقف الورود في غزة على حافة الجسد المثخن بالجراح , ليست الورود مهداة لصنع اكاليل الجنازات وتطويق المقابر بآخر اوراق مبلولة بالحسرات والدموع, بل هذه الورود تريد السفر والرحيل الى دول كي تُقدم في عيد الحب . وتكون بطاقات الأبتسامات والأحتضان وقهر برودة البشر .
هل نعتبر ان هناك مزيجاً من السخرية والواقع المؤلم حين تطل الورود الحمراء معلنة بدلال انها قادمة من غزة ؟ هل رائحة عبقها فيه شيئاً خاصاً يلخص قصة صمود شعب حين يصر ان تكون الورود جزءاً من صادرته , والورود كما هو معروف لغة الرفاهية والبيوت الدافئة والمشاعر والأحاسيس التي لم يتقاذفها الخراب وغبار الفسفور وازيز الطائرات وتبعثر الجثث , لكن غزة التي امتصت تربتها الدماء والتلوثات الحربية , شربت النساء والرجال الحسرات, وكانت ومازالت ظلال الصرخات مرايا يومية معلقة على اسطح وسائل الأعلام , هذه "الغزة" تهدي انسياب اعياد الحب وروداً , وتحاول وسائل الأعلام العبرية تغطية نقل الورود الغزية الحمراء عبر الموانىء والمطار الأسرائيلي كأنه محاولة لمسح بصمات القتل والغاء خرائط الحقد المثقلة بالحصار والتجويع .
حين رأيت العلب المعبأة بالورود مشحونة الى الخارج , تتنفس حرية وتنطلق عبر فضاءات جديدة دون حواجز ومعابر وكاميرات مراقبة , ايقنت ان كل وردة تحمل في عصارتها رائحة غزة وانها لم تعد وردة عادية تُقدم لتوضع في مزهرية او تجفف في كتاب ذكريات , بل كل وردة عبارة عن سفارة متحركة لشعب يخرج الجمال من تربة العزيمة.
كان خوفي ان تقوم السلطات الأسرائيلية بمعاقبة اصحاب مشاتل الورود الغزيين , حيث كانت دائماً تتعمد ان تبقي العلب المليئة بالورد اطول مدة في مخازن المطار والموانىء , حيث يذبل الورد ويموت وتكون الخسائر فادحة , وطريق المعاناة يعرفها هؤلاء الذين زرعوا الورود واصروا ان يكونوا على عهد الجمال رغم عيشة القبح في ظل الأحتلال. الذي نريد معرفته هل العواصم الأوروبية التي باعت الورود الغزية الفلسطينية اعلنت امام واجهاتها ان هذه الورود مميزة لأنها شقت صخور الأحتلال وانطلقت رغم الحصار .
ساهر احمد
تزدحم صور الأحداث لكن سرعان ما تذوب , لكن الظاهر ان حذاء منتظر الزيدي سيبقى الصورة والحدث داخل اقتحام التصرف والسلوك الذي يعلن ان " قد طفح الكيل " ساهر احمد فتى فلسطيني في الخامسة عشر سنة, يلقي بحذائه وحبة برتقال بأتجاه سيارة رئيس الوزراء " سلام فياض " اثناء زيارته لبيت لحم .
قوات الأمن الفلسطينية طاردت الفتى في ازقة المخيم واوسعته ضرباً ثم اعتقلته , ولانعرف مصيره حتى الآن , قد نختلف كثيراً حول اساليب الأحتجاج , وقد نرفض أي تصرف يهين الآخرين , لكن ماذا نتوقع من المواطن العربي الذي اصبح اشبه بالأسفنجة المبلولة فقراً وذلاً وانظمة لا تلبي ادنى احتياجاته الحياتية لكي يعيش موفور الكرامة والأحترام , الجديد الملفت في تصرف الفتى ساهر احمد" البرتقالة " هل اراد ان ُيذكر "سلام فياض " ببرتقال يافا الذي غاب عن الذاكرة , ولم يعد احد يتغنى به كأن هناك استسلاماً عاماً لتضاريس تبحر في السواد .