ازالوا الحذاء لكن بصمته ما زالت
في لحظة وضوح , ليست مليئة بالغموض , طار الحذاء بأتجاه وجه بوش , لم يُصبه لكن اصاب الحكام والقادة بالذعر والخوف من طيور الأحذية التي ستبني اعشاشها فوق رؤوسهم , ووجوههم مستقبلاً .
الأفراح لم تكن فقاعات صابون , بل كانت توابيت "تشفي" تريد دفن من اذل واهان وتجبر وحطم وقتل ودمر , كنا دائماً على موعد مع المفاجئات , لكن مفاجأة الشاب الصحفي منتظر الزيدي اذهلت وتوجت غضب الشعوب بالحذاء .
ليس من باب الخيانة , ولكن من ابواب الأحداث المتلاحقة , اختفى منتظر الزيدي في احد الزنازين العراقية ولم نعد نلاحق اخباره ونعرف كيف يحققون معه , بقي فقط في الذاكرة والصورة, بعيداً عن اللحم والدم وانسانية التصرف وسوء العقاب .
احتمينا جميعاً بضربة الحذاء , دخلنا في جوف الحذاء واوقدنا نار الكرامة حتى نتدفأ, حاولنا ان نضمن ان بوصلة الغضب ما زالت يقظة , لذلك كانت الأهازيج وليالي الأفراح التي اقيمت لتمجيد الحذاء ما هي الا مطاردة لأحلام تنسحب من حياتنا ويحل محلها الخرائب .
في تكريت العراق , اقام الفنان العراقي ليث الأميري تمثالأ لحذاء المنتظر , يبلغ ارتفاع الحذاء ثلاثة امتار , وفي داخله شجرة خضراء يانعة , تدل على ان شجرة الأحذية ما زالت مثمرة او من الممكن ان ينمو في داخل الحذاء امل التفاؤل .
السلطات العراقية لم تتحمل تمثال الحذاء , مع ان بوش قد طار ولم يعد هناك الا لقطات تلفزيونية تفتح اسرار الكره العربي للأدارة الأمريكية . لكن اصرار السلطات على ازالة التمثال امتد فوق علامات التعجب والأستفهام , ولم يشفع الفن والفكرة والحدث وقامت بأزالته وبعثرة مادته وشكله , كأنها تريد ان تبدد صورة اللطمة الزيدية على انحناءة بوش الخائفة وضحكته الصفراء انذاك .
حذاء منتظر الزيدي اصبح يشكل ارقاً للسياسين , ولعبة الحذاء اصبحت حلاً فورياً لأي غضب يريد التنفيس _قبل ايام قام متظاهر برشق رئيس الوزراء الصيني بحذائه في لندن _ وفي المظاهرات الحذاء يتصدر المكانة الرفيعة .كأن وجوده يغني عن ملايين الشعارات التي تكتب بصورة روتينية .
ازالت السلطات العراقية الحذاء , لكن هل ازالت البصمات الحذائية من فوق الوجوه العراقية التي داس عليها بوش وزمرته والجيش الأمريكي , هل ازالت بصمات التدمير
والتجويع وسرقات الوطن العراقي . على من يضحكون حين قرروا هدم التمثال , ففي داخل كل مواطن عراقي ومواطن عربي لوحة رخام نُقش الحذاء عليها ,وكلما هدموا تمثالاً ازدادت اعداد اللوحات الرخامية .
ثوري يناشد العلاج
حين يصل الوضع الى المرض يحاول الأنسان لملمة مشاعره واحاسيسه وجمعهما في ينابيع الهدوء, ويدخل في انفاق الفحوصات والأدوية , لكن حين يصل المرض الى طريق مسدود يصبح بحاجة الى جسر لكي يغادر الجسد , والجسر احياناً يكون المال الذي يوفر العلاج والرعاية والاهتمام .
عشرات الأصوات نسمعها تناشد التبرع لكي تتعالج, وهذا امر طبيعي ولكن حين تصل المناشدة الى صوت الثوري نصاب بالحزن القاتل , لأن هذا الثوري الذي نذر نفسه للآخرين وللوطن لايمكن ان يتسول العلاج ,
قرأت مناشدة بسام ابو شريف( عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ) والمستشار الخاص للرئيس ياسر عرفات , بسام ابو شريف لايمكن ان يكون صوت السفن الغارقة , بل الآن صوت الثوري الذي يجب ان تتوفر له ادنى شروط الحياة وهو العلاج, كيف نستثمر قوة وحيوية وقدرة وشباب الثوري, ثم عند الحاجة والضعف والمرض نتركهم تحت رحمة المناشدة , من المعيب ان يتوسل بسام ابو شريف الذي حاول الموساد اغتياله في بيروت في العام 1972 فيما كان عمره 26 عاماً عبر رسالة مفخخة فقد بسببها احدى عينيه , وذلك بعد اغتيال الكاتب غسان كنفاني . مهما كانت درجة الخلافات بين التنظيمات الفلسطينية ومهما كانت درجة حرارة المحبة والعناق واللقاءات يبقى علاج الثوريين خطاً احمر , يجب ان يكون متوفراً حتى لايندم الثوري يوماً على ثوريته, واذا ترك الأسرى الفلسطينين تحت رحمة الزمن , خاصة اسرى 48 دون رمشة عين وتأنيب ضمير فلا يجب ترك هؤلاء الذين اعطوا الوطن اعمارهم , ان الدول ترعى الفنانين والممثلين وتعالجهم على حسابها , فهل كثير على السلطة الفلسطينية علاج رجالها .