كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

هل اصبحت العنصرية سياسة إعلامية: من آيلا حسون إلى إيال بركوفيتش

محمد دراوشة · 08/11/2026 الساعة 16:38

لم تكن قضية آيلا حسون وقضية إيال بركوفيتش مجرد حادثتين منفصلتين، بل هما مرآة لسنوات طويلة جرى خلالها تحويل التحريض على العرب إلى مادة إعلامية اعتيادية، بل إلى وسيلة للترقي المهني والشعبية الجماهيرية.

لسنوات طويلة، سمح جزء من الإعلام الإسرائيلي لنفسه أن يقول عن العرب ما لم يكن يجرؤ على قوله عن أي مجموعة أخرى. تم التعامل مع المواطنين العرب وكأنهم هدف مشروع للاتهام الجماعي والتشكيك والتحريض، فيما كانت المؤسسات الإعلامية تغض الطرف بحجة حرية التعبير أو الجدل السياسي.

عندما أطلقت آيلا حسون تصريحاتها المسيئة بحق النساء البدويات، لم تكن تتحدث من فراغ. كانت تتحدث من داخل ثقافة إعلامية وسياسية ترسخت في عهد نتنياهو وحلفائه، ثقافة تنظر إلى العرب باعتبارهم مادة سهلة للاستهزاء والتعميم والتحقير. 

وعندما خرج إيال بركوفيتش بتصريحاته ضد العرب وضد النائب أحمد الطيبي، لم يكن هو الآخر يغرد خارج السرب، بل كان يردد خطابًا جرى تسويقه وتطبيعه على شاشات التلفزة ومنابر السياسة لسنوات طويلة.

المشكلة ليست في بركوفيتش ولا في حسون فقط. المشكلة في النظام الذي صنعهما، وفي البيئة السياسية والإعلامية التي منحت الشرعية لهذا الخطاب. فخلال سنوات حكم بنيامين نتنياهو، وخصوصًا بالشراكة مع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، جرى تفكيك الكثير من الخطوط الحمراء الأخلاقية. تحولت العنصرية من وصمة إلى موقف سياسي، ومن فضيحة إلى استراتيجية انتخابية، ومن خطاب هامشي إلى خطاب رسمي يتردد في الكنيست والحكومة والاستوديوهات التلفزيونية.

ولم يكن ذلك صدفة. فشيطنة المواطنين العرب تخدم هدفًا سياسيًا واضحًا: نزع الشرعية عن نحو 20% من المواطنين، وتحويلهم من شركاء في الوطن إلى جسم غريب يجب محاصرته سياسيًا وأخلاقيًا. إنها عملية مستمرة تهدف إلى إقصاء العرب من دوائر التأثير ومنع نشوء شراكة ديمقراطية حقيقية يمكن أن تشكل بديلًا لمشروع التفوق القومي والاستيطان.

لقد لعبت بعض وسائل الإعلام دور الشريك الكامل في هذا المشروع. لم تكتفِ بنقل خطاب السلطة، بل أصبحت جزءًا من ماكينة إنتاجه وتبريره وتسويقه. وعندما يفقد الإعلام استقلاليته ويتحول إلى بوق للسلطة، تصبح العنصرية مجرد تفصيل في خدمة مشروع سياسي أكبر.

لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا أوقفت قناة هذا الإعلامي أو تلك الإعلامية. السؤال هو: أين كانت هذه القنوات عندما تحول التحريض على العرب إلى مادة يومية؟ أين كانت عندما جرى تقديم مجتمع كامل باعتباره خطرًا ديموغرافيًا وأمنيًا؟ وأين كانت عندما استُخدمت الشاشات لتبرير سياسات التمييز والإقصاء بدلاً من فضحها؟

إذا كانت هناك دلالة إيجابية في قضيتي حسون وبركوفيتش، فهي أن ثمن العنصرية لم يعد صفراً. فالمجتمع العربي الذي حاولوا إسكات صوته لعقود أصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا وتنظيمًا. والصوت العربي الذي أثبت قوته في صناديق الاقتراع بدأ يفرض نفسه أيضًا في الفضاء الإعلامي والأخلاقي، ويقول بوضوح: التحريض ليس رأيًا، والعنصرية ليست وجهة نظر.
أما الاختبار الحقيقي فلا يكمن في إيقاف إعلامي هنا أو هناك، بل في تفكيك المنظومة التي حوّلت التحريض إلى مهنة، والعنصرية إلى سلعة إعلامية، والكراهية إلى وقود سياسي لخدمة مشروع إقصاء المواطنين العرب ونزع شرعية وجودهم وحقوقهم الجماعية والمدنية.

فالمعركة لم تكن يومًا ضد شخص واحد. إنها معركة ضد ثقافة كاملة استولت على الحكم، وحاولت الاستيلاء على الشاشات، وسعت إلى احتكار الرأي العام، لكنها تفشل اليوم للمرة الأولى في فرض روايتها دون مساءلة أو ثمن.

العنصريةسياسة إعلامية
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع