البروفيسور دان بن دافيد: تهميش المجتمع العربي قد يكلّف الاقتصاد الإسرائيلي ثمنًا باهظًا، في وقت يزداد فيه استثماره في التعليم
بينما تنشغل الساحة السياسية بالنقاش حول مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة المقبلة، يكشف تحليل جديد لمؤسسة شورش للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية عن جهود متزايدة يبذلها المجتمع العربي للنهوض بالتعليم وتوسيع مشاركته في الاقتصاد الإسرائيلي. ويحذّر رئيس المؤسسة، البروفيسور دان بن دافيد، من أن استمرار تهميش المجتمع العربي، رغم هذه التوجهات، قد تكون له تبعات اقتصادية بعيدة المدى على إسرائيل.
جرائم القتل في المجتمع العربي تضاعفت منذ عام 2023
تضاعف العدد السنوي لضحايا جرائم القتل في المجتمع العربي منذ عام 2023، في ارتفاع لم يشهد المجتمع غير العربي ما يماثله. وبلغت معدلات القتل والجريمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة مستويات غير مسبوقة. ويرى بن دافيد أن الوزير المسؤول عن الشرطة خلال هذه الفترة ساهم في تأجيج الأزمة بدلًا من العمل على الحدّ منها.
وقد يكون التصاعد الحاد في جرائم القتل أحد العوامل التي ساهمت في ارتفاع نسب التصويت في المجتمع العربي خلال الانتخابات الأخيرة. لكن بن دافيد يشدّد على أن رغبة المواطنين العرب في المشاركة والتأثير لا تقتصر على ردّ الفعل تجاه أزمة الجريمة، ولم تبدأ مع الانتخابات الأخيرة، بل تعكس مسارًا طويلًا من التحولات في التعليم والتحصيل الأكاديمي والتركيبة السكانية.
الدولة تقصّر في التعليم والعائلات العربية تدفع الثمن
تكشف نتائج امتحانات «بيزا» لعام 2025 عن تدنّي مستوى التعليم الذي توفره الدولة لطلابها العرب، إذ جاءت نتائج الطلاب الناطقين بالعربية في إسرائيل أدنى من نتائج الطلاب في ستّ من أصل سبع دول عربية شاركت في الامتحانات.
وأمام هذا الواقع، تسعى عائلات عربية كثيرة إلى تعويض أوجه القصور في جهاز التعليم الرسمي، من خلال إلحاق أبنائها بمدارس خاصة أو بمدارس يهودية في المدن المختلطة، فضلًا عن الاستعانة بالدروس الخصوصية.
وتُظهر معطيات مؤسسة شورش أن التعليم يستحوذ على حصة متزايدة من ميزانيات العائلات العربية. فقد ارتفعت حصة الإنفاق على التعليم من إجمالي نفقات الأسر العربية من 3.7% خلال السنوات 2011–2013 إلى 4.8% خلال السنوات 2021–2023، أي بزيادة نسبية تقارب 30% خلال عقد واحد.
وبحسب بن دافيد، تعكس هذه الأرقام اضطرار العائلات العربية إلى تخصيص حصة متزايدة من مواردها لتوفير فرص تعليمية أفضل لأبنائها، في ظل عجز جهاز التعليم الرسمي عن تلبية احتياجاتهم.
نسبة النساء المسلمات الحاصلات على شهادات جامعية ترتفع إلى نحو خمسة أضعاف خلال عقدين
بالتوازي مع ارتفاع حصة الإنفاق على التعليم، سجّل المجتمع العربي تقدمًا كبيرًا في التعليم العالي، ولا سيما بين النساء. فقد ارتفعت نسبة النساء المسلمات الحاصلات على شهادات جامعية في الفئة العمرية 35–54 عامًا من 4.7% عام 2004 إلى 22.9% عام 2024، أي ما يقارب خمسة أضعاف.
أما بين النساء العربيات المسيحيات، فقد ارتفعت النسبة من 16.3% إلى 50.3%، ما يعني أن واحدة من كل امرأتين في هذه الفئة العمرية تحمل شهادة جامعية. وبين النساء الدرزيات، ارتفعت النسبة من 6.7% إلى 23.8%. وسُجّل ارتفاع أيضًا في نسبة الرجال الحاصلين على شهادات جامعية، وإن كان بوتيرة أقل.
وتتزامن هذه التطورات مع تغيّرات ملحوظة في معدلات الإنجاب. فقد انخفض معدل الخصوبة لدى النساء المسلمات بنحو 40% خلال العقدين الأخيرين، وبلغ 2.8 طفل لكل امرأة خلال السنوات 2022–2024. أما لدى النساء الدرزيات فبلغ المعدل 1.8 طفل، ولدى النساء العربيات المسيحيات 1.6 طفل.
وفي المجتمع اليهودي، تتفاوت معدلات الخصوبة بحسب مستوى التدين، إذ يبلغ المعدل 3.7 أطفال لدى النساء المتدينات، و2.3 لدى التقليديات، و1.9 لدى العلمانيات.
ويرى بن دافيد أن تراجع معدلات الإنجاب يأتي في إطار تحوّل اجتماعي واقتصادي أوسع، تتجه فيه عائلات كثيرة إلى تخصيص موارد أكبر لتعليم أبنائها وتأهيلهم أكاديميًا.
الانتخابات تضع إسرائيل أمام فرصة اقتصادية قد يبدّدها الإقصاء السياسي
لا تقتصر أهمية هذه التحولات على المجتمع العربي وحده. فقرابة ربع طلاب الصف الأول في إسرائيل، أي 23%، هم من الناطقين بالعربية. ومن شأن تحسين مستويات التعليم وتوسيع فرص الاندماج في وظائف ذات إنتاجية مرتفعة أن يساهما في رفع إنتاجية العمل وتعزيز نمو الاقتصاد الإسرائيلي عمومًا.
لكن هذه التطورات الإيجابية تجري في ظل استمرار فجوات كبيرة في التعليم والبنى التحتية، إلى جانب تفاقم أزمة الجريمة التي تهدّد الأمن الشخصي وتعرقل التنمية الاقتصادية في البلدات العربية.
ويشير بن دافيد إلى أن أهمية هذه الفرصة تتعاظم في ضوء التغيّرات الديموغرافية المتسارعة داخل المجتمع اليهودي. ففي حين تسجّل بعض الفئات اليهودية معدلات إنجاب مرتفعة، من دون أن توفّر منظوماتها التعليمية لجميع أبنائها المهارات اللازمة للاندماج في اقتصاد حديث، يشهد المجتمع العربي توسعًا ملحوظًا في التعليم الجامعي، وتخصص عائلاته حصة متزايدة من نفقاتها للتعليم.
ويحذّر بن دافيد من أن استمرار الجدل حول شرعية مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة قد يصرف الأنظار عن حقيقة اقتصادية أساسية: مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بصورة متزايدة على مستوى التعليم والمهارات لدى الأجيال المقبلة، وتعزيز مشاركة المجتمع العربي في سوق العمل والاقتصاد يصبّ في المصلحة العامة.
وقال البروفيسور دان بن دافيد، رئيس مؤسسة شورش: "المؤشرات اليوم أوضح من أي وقت مضى: المواطنون العرب يريدون أن يكونوا جزءًا من المجتمع الإسرائيلي، وهم يثبتون ذلك على أرض الواقع. فرغم إخفاقات جهاز التعليم، تخصص العائلات العربية حصة متزايدة من نفقاتها لتعليم أبنائها، فيما ترتفع نسبة الحاصلين على شهادات جامعية بشكل ملحوظ. كما تعكس نسب التصويت في الانتخابات الأخيرة رغبتهم في المشاركة والتأثير. ومع ذلك، وفي خضم المشاورات لتشكيل الحكومة المقبلة، لا تزال هناك جهات تعتبر ممثلي المجتمع العربي شركاء غير شرعيين. هذا ليس عمىً سياسيًا فحسب، بل قصر نظر اقتصادي أيضًا. ففي ظل التحديات الديموغرافية والاقتصادية التي تواجه إسرائيل، قد يؤدي استمرار تهميش المجتمع العربي إلى تفويت فرصة تاريخية لتعزيز الاقتصاد والمجتمع. وثمن القرارات التي ستُتخذ اليوم سيدفعه الجميع، حتى بعد وقت طويل من تشكيل الحكومة المقبلة".
عن مؤسسة شورش: مؤسسة شورش للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، برئاسة البروفيسور دان بن دافيد، هي مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بدراسة السياسات العامة، وتجري أبحاثًا تستند إلى المعطيات والحقائق حول الاقتصاد والمجتمع في إسرائيل. وتعمل المؤسسة على توفير المعلومات لصنّاع القرار والجمهور في البلاد والعالم، من خلال الدراسات والمنشورات والإحاطات التي تتناول التحديات البنيوية التي تواجه الدولة، كما تطرح بدائل للسياسات تهدف إلى تحسين مستوى المعيشة وتكافؤ الفرص بين مختلف فئات المجتمع.