تسعة عشر مقعدا تهز الخريطة السياسية الإسرائيلية
لم تكن انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر مجرد محطة انتخابية عادية في تاريخ السياسة الإسرائيلية بل شكلت مفاجأة كبرى للمراقبين والباحثين محليا وإقليميا ودوليا فقد كشفت النتائج عن تحول عميق في سلوك الناخب العربي وعن قدرة المجتمع العربي على الانتقال من موقع المتأثر بالسياسات الحكومية إلى موقع الفاعل في تحديد موازين القوى السياسية ومستقبل الحكومة المقبلة
لقد أثبتت هذه الانتخابات أن استمرار تجاهل المواطنين العرب والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية لن يؤدي إلى إبعادهم عن المشهد السياسي بل قد يدفعهم إلى مزيد من المشاركة والتنظيم والتأثير وحتى القدرة على الاطاحة بالثنائي نتانياهو وبن غفير
وكانت المفاجأة الأبرز وصول القوائم العربية إلى نحو تسعة عشر مقعدا بعد ارتفاع نسبة التصويت في البلدات العربية إلى مستويات غير مسبوقة قاربت ثمانين بالمئة وهو ما يعكس تحولا سياسيا واجتماعيا يتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية
هذا وقد شعر المواطن العربي بأن حكومة بنيامين نتنياهو وشركائه من الأحزاب اليمينية المتطرفة تتعامل مع قضايا المواطنين العرب باعتبارها ملفات أمنية وسياسية وليست قضايا ذات حقوقا أساسية لمواطنين يجب أن يتمتعوا بالمساواة الكاملة
وكانت قضية الأرض والمسكن وهدم المنازل من أبرز أسباب الغضب الشعبي فقد أدت سياسات الهدم ومحدودية المصادقة على الخرائط الهيكلية ونقص مناطق البناء إلى تعميق شعور المواطنين بأن حقهم الطبيعي في السكن أصبح مهددا وأن مستقبل أبنائهم بات مرتبطا بقرارات سياسية وإدارية لا تراعي احتياجاتهم
كما أن مشاهد هدم المنازل والمنشآت في النقب والجليل والمثلث لم تكن مجرد أحداث منفصلة بل تحولت إلى رمز لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة الدولة بالمواطن العربي وبمدى عدم الاعتراف بحقوقه واحتياجاته
أما السلطات المحلية العربية فقد واجهت نقصا في الميزانيات وضعفا في البنية التحتية وتراكما في الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية ورغم الخطط الحكومية والوعود التي أطلقت لتطوير المجتمع العربي فإن الفجوة بين الوعود والتنفيذ بقيت واسعة وأصبحت المجالس المحلية في مواجهة مباشرة مع الحكومة بسبب عدم تلبية احتياجات المواطنين
ولعل القضية الأكثر إيلاما كانت تفشي الجريمة والعنف وانتشار السلاح وارتفاع عدد الضحايا العرب فقد شعر المواطن بأن أمنه الشخصي لم يعد مضمونا وأن الدولة لا تبذل الجهد الكافي لمواجهة هذه الظاهرة التي تحولت إلى تهديد يومي لحياة العائلات والمجتمع بأسره
كما إن هذه القضايا مجتمعة شكلت نقطة تحول في الوعي السياسي العربي فقد لم يعد التصويت مجرد اختيار بين أحزاب وقوائم بل أصبح وسيلة للتعبير عن الغضب والمطالبة بالتغيير والدفاع عن الحقوق الأساسية
ومن هنا برز الدور المهم لرؤساء السلطات المحلية الذين أدركوا أن الصمت لم يعد خيارا وأن عليهم المشاركة في مواجهة السياسات الحكومية وقد تلاقت مواقفهم مع تحركات الأحزاب والجمعيات والمؤسسات المدنية لتشكل حالة واسعة من التنسيق المجتمعي والسياسي
وهذه من أهم دلالات الانتخابات إذ إن ارتفاع التصويت لم يكن نتيجة خطاب حزبي واحد بل جاء تعبيرا عن تراكم طويل من الغضب والقلق والشعور بالحاجة إلى حماية الوجود والحقوق والمستقبل
ومن العوامل التي تستحق التوقف عندها كان تعامل الإعلام الإسرائيلي المحرض على المجتمع العربي فقد تعاملت قطاعات واسعة منه مع الناخب العربي وكأنه خارج الحسابات السياسية وكانت استطلاعات الرأي تركز في كثير من الأحيان على المجتمع اليهودي بدون إعطاء المزاج الانتخابي العربي الاهتمام الكافي
لكن النتائج كشفت محدودية هذه النظرة وأثبتت أن المجتمع العربي ليس كتلة صامتة أو هامشية بل يمتلك القدرة على اتخاذ موقف جماعي عندما يشعر بأن مستقبله وحقوقه موضع تهديد
لقد صوت المواطن العربي على قضايا حياته اليومية بقدر ما صوت على القضايا السياسية العامة فكان المسكن والأرض والجريمة والميزانيات والتعليم والتشغيل حاضرا في قراره الانتخابي إلى جانب الشعور بالتمييز والإقصاء السياسي
أما على المستوى البرلماني فإن وصول القوائم العربية إلى نحو تسعة عشر مقعدا يضع إسرائيل أمام معادلة سياسية جديدة فلا يستطيع أي معسكر الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة من دون البحث عن تحالفات وتفاهمات إضافية
وهنا تبرز أهمية الصوت العربي الذي أصبح رقما سياسيا لا يمكن تجاوزه عند تشكيل أي ائتلاف جديد فالمعسكر المرتبط بغادي آيزنكوت يحتاج إلى توسيع قاعدته البرلمانية والوصول إلى واحد وستين مقعدا على الأقل وهو ما يجعل الموقف العربي عاملا أساسيا في تحديد مسار المفاوضات
ومن الصعب تصور إقامة ائتلاف حكومي جديد ومستقر من دون الصوت العربي سواء من خلال التوصية أمام رئيس الدولة إسحاق هرتسوغ باسم المرشح لتشكيل الحكومة أو من خلال التفاهمات البرلمانية والسياسية اللاحقة
ومن هنا فقد بات من المؤكد بروز أهمية توصية القوائم العربية باسم غادي آيزنكوت إذا نجح في بناء أغلبية بديلة فهذه التوصية قد تشكل عاملا حاسما في تكليفه بتشكيل الحكومة والاطاحة بنتانياهو ولكن من الضروري التمييز بين التوصية أمام رئيس الدولة وبين المشاركة الفعلية في الائتلاف الحكومي فهما مساران مختلفان
وإمكانية تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت بدعم عربي تفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة وقد تؤدي إلى إنهاء حقبة حكم بنيامين نتنياهو وإبعاده عن رئاسة الحكومة إذا نجحت الأطراف المعنية في التوصل إلى اتفاق سياسي يضمن أغلبية برلمانية مستقرة
لكن هذا المسار لن يكون سهلا في ظل الاختلافات بين أحزاب المعارضة والتحفظات التي تبديها بعض مكوناتها تجاه التعاون مع القوائم العربية ولذلك فإن نجاحه يتطلب تفاهمات واضحة تضمن الحقوق العربية وتحترم استقلالية القرار السياسي للأحزاب العربية
ويعتبر التحدي الأكبر أمام الأحزاب العربية اليوم ليس فقط كيفية استثمار المقاعد التسعة عشر في المفاوضات الحكومية بل كيفية المحافظة على الوحدة السياسية والمجتمعية التي أنتجت هذه النتيجة
أما بنيامين نتنياهو فيواجه واقعا سياسيا مختلفا فقد أظهرت النتائج أن تشكيل حكومة جديدة من المعسكر الذي يقوده ليس أمرا سهلا وأن البدائل السياسية المتاحة أمامه أصبحت محدودة في ظل مواقف أحزاب المعارضة والخلافات القائمة بينها وبينه
وقد يحاول نتنياهو البحث عن حكومة وحدة وطنية أو استقطاب شخصيات من المعسكر المقابل أو إطالة المفاوضات السياسية لكن التجارب السابقة تجعل هذه الخيارات موضع شك وتساؤل
وإذا نجح آيزنكوت في تشكيل حكومة بدعم عربي وبأغلبية برلمانية واضحة فإن ذلك سيعني بشكل حتمي إبعاد نتنياهو عن رئاسة الحكومة وفتح صفحة سياسية جديدة في إسرائيل
إن ما حدث في السابع والعشرين من أكتوبر يجب أن يكون بداية مرحلة جديدة في العمل السياسي العربي فالمواطنون أثبتوا أنهم قادرون على تجاوز الانقسامات عندما يشعرون بأن هناك خطرا مشتركا يهدد مستقبلهم لكن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب قيادة مسؤولة ورؤية مشتركة وتنسيقا مستمرا
لقد انتهى زمن التعامل مع الصوت العربي باعتباره صوتا إضافيا يمكن تجاهله عند توزيع المقاعد ورسم التحالفات السياسية
إن تسعة عشر مقعدا ليست نهاية الطريق بل بداية مسؤولية تاريخية وعلى القيادات العربية أن تحول هذا الإنجاز إلى مشروع سياسي واجتماعي واسع يحمي الحقوق ويعزز الشراكة ويضمن مستقبلا أكثر أمنا ومساواة وكرامة للمواطنين العرب