انقلاب محتمل في تحالفات الحريديم.. "يهدوت هتوراه" تبحث دعم حكومة برئاسة آيزنكوت بدلًا من نتنياهو
في تطور قد يحمل مؤشرات على تغير في خريطة التحالفات السياسية داخل إسرائيل، تتجه قيادات في حزب "يهدوت هتوراه" الحريدي إلى بحث إمكانية التعاون مع المعسكر السياسي المناوئ لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بما في ذلك احتمال تقديم الدعم لحكومة بديلة برئاسة غادي آيزنكوت، مقابل التوصل إلى تفاهمات بشأن تجنيد الشبان الحريديم والميزانيات المخصصة لمؤسساتهم.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب توجيهات نُسبت إلى الحاخام دوف لاندو، أحد أبرز المرجعيات الدينية لحزب "ديغل هتوراه"، الذي دعا، بحسب ما نشره الصحفي يشاي كوهين في موقع "كيكار هشبات"، أعضاء الكنيست عن الحزب إلى فتح قنوات حوار مع المعسكر المعارض لنتنياهو، والعمل على إيجاد تسوية تضمن استمرار إعفاء طلاب المعاهد الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية أو تنظيم وضعهم القانوني في إطار اتفاق جديد.
الحاخام لاندو يدعو إلى الحوار مع المعسكر المناوئ لنتنياهو
وبحسب التقرير، طلب الحاخام لاندو من أعضاء الكنيست بذل كل جهد ممكن للتوصل إلى تسوية بشأن مكانة طلاب المعاهد الدينية، في إشارة إلى قضية تجنيد الشبان الحريديم، التي تشكل أحد أبرز الملفات الخلافية في الساحة السياسية الإسرائيلية.
وشدد لاندو، وفقًا لما نُقل عنه، على أن حزب «يهدوت هتوراه» لا ينتمي بالضرورة إلى أي من المعسكرات السياسية القائمة، سواء معسكر نتنياهو أو المعسكر المعارض له، وإنما يعتبر نفسه جزءًا من "معسكر عالم التوراة"، أي أن أولويته الأساسية تتمثل في حماية مصالح المجتمع الحريدي ومؤسساته الدينية، بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة أو التحالف الحاكم.
وتعكس هذه المقاربة رغبة الحزب في عدم حصر خياراته السياسية بتحالفه التقليدي مع نتنياهو، وترك المجال مفتوحًا أمام التفاوض مع أطراف أخرى، إذا كانت قادرة على تلبية مطالبه المتعلقة بالتجنيد والميزانيات.
دعم محتمل لحكومة برئاسة آيزنكوت مقابل تفاهمات بشأن التجنيد
وكان مسؤول إسرائيلي قد كشف، أمس الخميس، عن وجود اتصالات وتوجهات داخل الحزب الحريدي تبحث إمكانية دعم حكومة بديلة برئاسة غادي آيزنكوت، الذي ينتمي إلى المعسكر المعارض لنتنياهو.
وبحسب التقرير، فإن الفكرة المطروحة لا تقتصر على الانضمام إلى حكومة جديدة أو المشاركة فيها بصورة مباشرة، بل تشمل أيضًا إمكانية دعمها من خارج الائتلاف الحكومي، أي منحها الدعم السياسي والبرلماني اللازم للاستمرار، من دون أن يتولى نواب «يهدوت هتوراه» مناصب وزارية أو يصبحوا جزءًا رسميًا من الحكومة.
ويعني هذا السيناريو أن الحزب قد يتخلى عن ارتباطه السياسي بمعسكر نتنياهو، ويمنح حكومة آيزنكوت المحتملة شبكة أمان برلمانية، مقابل التوصل إلى تفاهمات تحفظ مصالح المجتمع الحريدي.
وفي هذا السياق، نقلت القناة عن مصادر في الحزب قولها إن أعضاء الكنيست الحريديم ليسوا ملزمين بدعم نتنياهو، مشددين على أن «أصواتنا ليست في جيب نتنياهو»، في إشارة إلى أن دعمهم السياسي ليس مضمونًا، وأنهم مستعدون لإعادة النظر في تحالفاتهم وفقًا لما ستقدمه الأطراف المختلفة من التزامات.
قانون تجنيد الحريديم والميزانيات في صلب المفاوضات
وتتمحور المطالب التي يطرحها الحزب حول قضيتين أساسيتين: الأولى تتعلق بقانون تجنيد الشبان الحريديم في الجيش الإسرائيلي، والثانية تتعلق بالميزانيات الحكومية المخصصة للمؤسسات الدينية والتعليمية التابعة للمجتمع الحريدي.
ففي ما يتعلق بالتجنيد، يدرك قادة "يهدوت هتوراه" أن آيزنكوت لن يكون قادرًا على تقديم قانون يضمن لهم جميع مطالبهم، إلا أنهم، بحسب التقرير، مستعدون للنظر في تسوية قد تكون أكثر صعوبة بالنسبة إليهم من الصيغ التي يفضلونها، شرط أن توفر لهم ضمانات كافية بشأن وضع طلاب المعاهد الدينية.
وتشير هذه المقاربة إلى استعداد الحزب للتنازل عن بعض مطالبه، إذا كان ذلك سيتيح التوصل إلى اتفاق سياسي قابل للتطبيق، يجنّب المجتمع الحريدي فرض ترتيبات تجنيد لا يستطيع قادته الدينيون والسياسيون قبولها.
ويرى بعض المسؤولين في الحزب أن الحوار غير العلني مع آيزنكوت قد يتيح صياغة قانون تجنيد يحقق أهدافه السياسية والعسكرية، وفي الوقت نفسه يتضمن تسهيلات أو ترتيبات يستطيع ممثلو المجتمع الحريدي التعايش معها.
وبموازاة ذلك، يطالب الحزب بالتنسيق بشأن الميزانيات التي ستحصل عليها مؤسساته، ما يجعل الملف المالي جزءًا أساسيًا من أي تفاهم سياسي محتمل.
انتقادات لنتنياهو: التحالف معه لم يعد يحقق مصالحنا
وفي تصريحات تعكس حجم التململ داخل الحزب من استمرار التحالف مع نتنياهو، نقل مسؤول في "يهدوت هتوراه" قوله إن الحزب لم يعد يتوقع الحصول على مكاسب سياسية من رئيس الحكومة الحالي.
وقال المسؤول: "لن نحصل على شيء من نتنياهو. لقد استُنفد تحالفنا معه، خصوصًا في ظل عدم امتلاكه أغلبية تبلغ 61 عضوًا في الكنيست".
وتكشف هذه التصريحات عن حسابات سياسية داخل الحزب الحريدي، تقوم على أن استمرار الارتباط بنتنياهو لم يعد بالضرورة الخيار الأكثر فائدة، لا سيما في ظل الصعوبات التي تواجهها حكومته في الحفاظ على أغلبيتها البرلمانية.
وأضاف المسؤول أن مصلحة الحزب تتمثل في العودة إلى موقع القوة المؤثرة في الكنيست، بحيث يصبح قادرًا على ترجيح كفة أي حكومة أو تحالف سياسي، بدلًا من الاكتفاء بدور الشريك الذي يلتزم بمواقف المعسكر الذي ينتمي إليه.
من جهته، حذر مسؤول آخر في الحزب من أن تشكيل حكومة وحدة واسعة قد يؤدي إلى تهميش الحزب ودفعه إلى صفوف المعارضة، حيث قال: «إذا تشكلت حكومة وحدة، فهناك احتمال أن نجد أنفسنا في صحراء المعارضة. لم نُنتخب من أجل ذلك».
وتعكس هذه التصريحات خشية داخل الحزب من أن يؤدي أي اتفاق سياسي واسع بين الأحزاب الكبرى إلى استبعاده من مراكز التأثير وصنع القرار، وهو ما يدفعه إلى البحث عن ترتيبات تضمن له حضورًا مؤثرًا في أي حكومة مقبلة.
الحزب ينفي صدور تعليمات من الحاخام لاندو
وعلى الرغم من التقارير التي تحدثت عن توجيهات من الحاخام دوف لاندو لفتح محادثات مع معسكر التغيير، أصدر مكتب رئيس حزب "يهدوت هتوراه"، عضو الكنيست يعقوب آشر، بيانًا نفى فيه صدور أي تعليمات بهذا الشأن.
وجاء في البيان: "لم تصدر أي تعليمات من هذا النوع، كما أننا لم نلتقِ كبار الحاخامات منذ الانتخابات".
ويضع هذا النفي علامات استفهام حول طبيعة التوجيهات المنسوبة إلى الحاخام لاندو، وما إذا كانت تمثل قرارًا سياسيًا ملزمًا لقيادة الحزب أم مجرد توجه لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة أمام خيارات سياسية مختلفة.
وفي ضوء ذلك، لا يمكن اعتبار التقارير بشأن انتقال الحزب إلى معسكر المعارضة أو اتفاقه على دعم حكومة برئاسة آيزنكوت قرارًا نهائيًا، بل هي مؤشرات على حراك سياسي واتصالات محتملة، لا تزال مرتبطة بالتفاهمات التي يمكن التوصل إليها بشأن الملفات التي تهم المجتمع الحريدي.
ويبدو أن القضية المحورية في هذه التحركات ليست هوية رئيس الحكومة بحد ذاتها، بقدر ما تتعلق بالضمانات التي يمكن أن يحصل عليها الحزب بشأن تجنيد طلاب المعاهد الدينية والميزانيات المخصصة لمؤسساته، وهما ملفان قد يحددان وجهة تحالفاته السياسية في المرحلة المقبلة.