أسعار الوقود في البلاد: انخفاض مؤقت مطلع الأسبوع يعقبه ارتفاع جديد إلى 7.85 شيكل للتر
من المنتظر أن تشهد أسعار الوقود في البلاد انخفاضًا اعتبارًا من منتصف ليل السبت، قبل أن تعاود الارتفاع مجددًا يوم الخميس المقبل، لتصل إلى 7.85 شيكل للتر الواحد، في ظل التغييرات المرتقبة على التخفيض الضريبي المفروض على الوقود.
وبحسب المعطيات المنشورة، سينخفض سعر لتر البنزين من 7.77 شيكل إلى 7.35 شيكل اعتبارًا من منتصف ليل السبت، أي بتراجع يبلغ 42 أغورة للتر الواحد، إلا أن هذا الانخفاض سيكون مؤقتًا، إذ من المتوقع أن يرتفع السعر يوم الخميس، 5 تشرين الثاني/نوفمبر، إلى 7.85 شيكل، بعد تقليص التخفيض الضريبي إلى نصف شيكل فقط.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أسعار الوقود مستويات مرتفعة خلال الأشهر الأخيرة، ما يجعل نفقات تعبئة المركبات عبئًا متزايدًا على ميزانيات الأسر، ويعيد إلى الواجهة التساؤلات بشأن أسباب تمسك شركات الوقود الكبرى بالأسعار القصوى، رغم قدرتها على تقديم تخفيضات للمستهلكين.
انخفاض مؤقت يعقبه ارتفاع جديد
ورغم التراجع المتوقع في بداية الأسبوع، فإن السائقين لن يستفيدوا طويلًا من الأسعار المنخفضة، إذ ستعود تكلفة الوقود إلى الارتفاع بعد أيام قليلة، لتصل إلى 7.85 شيكل للتر الواحد.
ويعيد هذا التغيير تسليط الضوء على واقع سوق الوقود، الذي تهيمن عليه أربع شركات كبرى، تسيطر على الغالبية العظمى من محطات الوقود المنتشرة في أنحاء البلاد، إلى جانب وجود محطات مستقلة وشركات أصغر تعمل بصورة أساسية في المناطق الطرفية.
وتتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في أن الشركات الكبرى تلتزم في معظم الأحيان بالسعر الأقصى الذي تحدده الجهات الرسمية، بدلًا من خفض الأسعار والتنافس على استقطاب السائقين، رغم أن تقديم تخفيضات حتى لو كانت بعشرات الأغورات للتر الواحد قد يشجع أعدادًا كبيرة من المستهلكين على تغيير محطات التزود بالوقود التي اعتادوا استخدامها.
لماذا لا تخفض شركات الوقود الكبرى الأسعار؟
على الرغم من أن الحد الأقصى لأسعار الوقود يخضع للرقابة، فإنه لا يوجد ما يمنع الشركات من بيع الوقود بأسعار أقل بهدف المنافسة.
وتشجع الجهات المسؤولة عن قطاع الطاقة المستهلكين على مقارنة الأسعار بين محطات الوقود واختيار المحطات التي تقدم الأسعار الأكثر توفيرًا، باعتبار أن ذلك قد يعزز المنافسة ويقلص نفقات الأسر.
لكن الواقع العملي يختلف عن هذه التوجهات، إذ تتمسك الشركات الكبرى بالسعر الأقصى باعتباره سعرًا أساسيًا، فيما تظهر التخفيضات بصورة أكبر في المحطات الصغيرة والمستقلة.
ويربط الدكتور عميت مور، المدير العام لشركة متخصصة في الاستشارات الاقتصادية والاستراتيجية ومحاضر بارز في جامعة رايخمان، ضعف المنافسة في أسعار الوقود بتكاليف الأراضي والعقارات.
ويوضح أن الأراضي المخصصة لإقامة محطات الوقود في المناطق المركزية مرتفعة الثمن للغاية، كما أن الحصول على التراخيص اللازمة لإنشاء محطة جديدة قد يستغرق عشر سنوات أو أكثر.
ويؤدي ذلك إلى محدودية عدد المحطات مقارنة بالزيادة السنوية في عدد المركبات، والتي تصل إلى نحو 300 ألف مركبة جديدة، ما يقلص فرص المنافسة ويمنح الشركات الكبرى قدرة أكبر على المحافظة على الأسعار المرتفعة.
المحطات الصغيرة تقدم أسعارًا أقل.. فما السبب؟
في المقابل، تركز شركات الوقود الصغيرة نشاطها في المناطق الطرفية، مثل الجليل، حيث تكون أسعار الأراضي أقل بكثير، وتتمكن من تقديم أسعار تنافسية بهدف توسيع قاعدة زبائنها.
ويشير مور إلى أن بعض المناطق، مثل محور حواسا بالقرب من حيفا، تضم نحو 12 محطة وقود متجاورة على امتداد ثلاثة كيلومترات، الأمر الذي يخلق منافسة محلية حقيقية بين المحطات.
كما يوضح أن مصدر الدخل الرئيسي لمحطات الوقود لم يعد بالضرورة بيع البنزين، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الأنشطة التجارية المرافقة، مثل متاجر الخدمات السريعة ومرافق غسل السيارات والمطاعم، إضافة إلى الأرباح العقارية.
وبذلك تحول الوقود في كثير من الحالات إلى وسيلة لجذب الزبائن إلى المجمعات التجارية المحيطة بالمحطات، وليس بالضرورة إلى مصدر الربح الأساسي.
وفي هذا السياق، تقدم مجموعة وقود تمتلك تسع محطات في منطقة الشمال أسعارًا أقل من أسعار السوق بصورة منتظمة.
ويقول مالك المجموعة، ماضي ريان، إن اعتماد سياسة الأسعار المنخفضة يقلص الأرباح من كل عملية تعبئة، لكنه يساهم في المقابل في زيادة عدد الزبائن بصورة ملحوظة.
ويشير إلى أن المجموعة تأسست في تسعينيات القرن الماضي، وأن سياستها تقوم على تقديم خدمة شخصية وأسعار أقل من السوق، بما في ذلك تقديم الخدمة الكاملة للسائق دون الحاجة إلى مغادرة مركبته.
ويضيف أن هامش الربح من كل عملية تعبئة وقود منخفض للغاية، في حين تتمتع الشركات الكبرى بمصادر دخل إضافية، تشمل العقود الكبيرة والمناقصات ومتاجر الخدمات السريعة، وهي المجالات التي تحقق لها الجزء الأكبر من الأرباح.
ويؤكد أن زبائن المحطات الصغيرة يقصدونها بصورة خاصة بسبب الأسعار والخدمة الشخصية، مشيرًا إلى أن تحقيق أرباح أقل مقابل زيادة عدد الزبائن وحجم العمل يشكل خيارًا اقتصاديًا مناسبًا بالنسبة إليه.
ارتفاع الأسعار يدفع السائقين إلى تقليص استخدام مركباتهم
ويحذر العاملون في القطاع من أن الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود يوم 4 تشرين الثاني/نوفمبر، والتي تبلغ نصف شيكل، قد تكون ذات تأثير كبير على حجم الاستهلاك.
وبحسب ريان، بدأت محطات الوقود بالفعل تلاحظ تراجعًا في عدد عمليات التعبئة، في ظل الارتفاعات المتتالية التي شهدتها الأسعار.
ويشير إلى أن وصول سعر الوقود إلى مستويات مرتفعة يدفع بعض السائقين إلى التفكير في التخلي عن استخدام مركباتهم الخاصة، والاعتماد بدلًا من ذلك على الحافلات والقطارات لتجنب النفقات المتزايدة.
كم تربح محطات الوقود من كل لتر؟
تكشف الأرقام المتعلقة بقطاع الوقود أن حجم المبيعات الكبير لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح مرتفعة.
فبحسب تقديرات في القطاع، تبيع محطة وقود كبيرة تقع على محور رئيسي في المنطقة المركزية ما بين 800 ألف و1.1 مليون لتر شهريًا.
ويصل حجم مبيعات هذه المحطة إلى نحو ثمانية ملايين شيكل شهريًا، لكن صافي الأرباح الذي يبقى لدى مالكها يقدر بنحو 150 ألف شيكل فقط، وهو مبلغ منخفض مقارنة بحجم المبيعات.
وتذهب نحو 60% من قيمة كل لتر وقود إلى خزينة الدولة على شكل ضرائب، تشمل ضريبة الاستهلاك وضريبة القيمة المضافة، فيما تذهب نحو 30% إلى مصافي النفط مقابل الوقود نفسه.
أما حصة صاحب المحطة قبل خصم النفقات التشغيلية، فتقل عن 10%، ويتعين عليه من هذا المبلغ دفع رواتب العاملين والإيجارات والضرائب البلدية والكهرباء والعمولات المصرفية وغيرها من المصاريف.
وتختلف الأرقام في المحطات الصغيرة الموجودة بالمناطق الطرفية، إذ تبيع المحطة الواحدة ما بين 200 ألف و400 ألف لتر شهريًا، لكن انخفاض تكلفة الأراضي يساعدها على تحسين صافي أرباحها.
وتشير التقديرات إلى أن أرباح محطات الوقود تتراوح بين 5 و20 أغورة عن كل لتر يباع، ما يوضح محدودية هامش الربح من عملية بيع الوقود نفسها.
360 محطة وقود تعمل دون منافسة قريبة
ولا تقتصر أسباب ضعف المنافسة على تكاليف الأراضي وطبيعة عمل الشركات، بل تمتد أيضًا إلى محدودية عدد المحطات في مناطق مختلفة.
فبحسب تقرير مراقب الدولة الصادر عام 2020، فإن 360 محطة من أصل 715 محطة وقود داخل المدن تعمل في مناطق لا توجد فيها منافسة قريبة.
ويعني ذلك أن السائقين الذين يسكنون بالقرب من هذه المحطات أو يستخدمون الطرق التي تقع عليها بصورة منتظمة لا يملكون خيارات فعلية للتزود بالوقود من محطات أخرى.
وأشار التقرير إلى أن الجهات المسؤولة لم تعمل على تسويق أراضٍ جديدة لإقامة محطات وقود، كما لم تستكمل التعديلات التشريعية اللازمة لتسهيل دخول شركات صغيرة إلى السوق وتعزيز المنافسة.
وحمل التقرير الجهات المسؤولة عن الطاقة والمنافسة والأراضي مسؤولية عدم اتخاذ خطوات كافية لتشجيع المنافسة على أسعار الوقود.
واقترح مراقب الدولة ثلاثة مسارات رئيسية لمعالجة المشكلة، تشمل تسويق الأراضي لإقامة محطات جديدة في المناطق التي تفتقر إلى المنافسة، واستكمال التعديلات القانونية لإزالة العوائق أمام دخول الشركات الصغيرة، وتعزيز الرقابة على دقة مضخات الوقود في المحطات.
لكن بعد مرور ست سنوات على نشر التقرير، لا تزال المشكلات ذاتها قائمة، وفقًا لما أورده التقرير الصحفي، فيما يواصل السائقون مواجهة أسعار متقاربة وغياب الخيارات البديلة في مناطق واسعة.
ارتفاع الوقود يهدد بموجة غلاء في الأسواق
ولا تتوقف آثار ارتفاع أسعار الوقود عند نفقات أصحاب المركبات الخاصة، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، وتهدد بزيادة تكاليف المعيشة.
فارتفاع أسعار البنزين والديزل يؤدي بصورة مباشرة إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والخدمات اللوجستية لدى شركات التوزيع، وهو ما ينعكس على شبكات التسويق ومنتجي المواد الغذائية.
ومن المتوقع أن تنتقل هذه الزيادة إلى المستهلكين من خلال رفع أسعار المنتجات على رفوف المتاجر، لتعويض تكاليف النقل والتوزيع المتزايدة.
كما تواجه شركات الحافلات وسيارات الأجرة وخدمات النقل الخاصة ضغوطًا إضافية بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ما قد يدفعها إلى المطالبة بتعديل تعرفة السفر أو زيادة الدعم الحكومي المخصص لها.
وبذلك، لا يشكل ارتفاع أسعار الوقود عبئًا على السائقين فحسب، بل قد يتحول إلى عامل إضافي في زيادة أسعار السلع والخدمات وتوسيع الضغوط الاقتصادية على الأسر.