التحريض ونزع الشرعية: العرب يُستخدموا كورقة سياسية لحماية اليمين في الحكم؟
في كل أزمة سياسية تمر بها إسرائيل، يعود الخطاب العنصري نفسه إلى الواجهة: التشكيك في شرعية الأحزاب العربية والتخويف من أي شراكة بينها وبين الأحزاب الليبرالية أو قوى الوسط. ولم يعد هذا السلوك يبدو مجرد خلاف سياسي طبيعي، بل تحول إلى أداة سياسية متكررة يستخدمها اليمين، وعلى رأسه الليكود، لمنع قيام بديل سياسي قادر على إنهاء هيمنته على السلطة وإبقاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف في الحكم.
في هذا السياق، يتهم الليكود الأحزاب العربية بالتلاعب في الانتخابات، ويزعم وقوع حالات رشوة وتهديد وتزوير، مطالباً بفتح تحقيق من قبل الشاباك والشرطة. وفي نعرف ان الليكود كان قد أعد مسبقاً اتهامات تتعلق بالتزوير قبل أيام من إجراء الانتخابات، ما يعزز الانطباع بأن القضية لا تتعلق فقط بالدفاع عن نزاهة الانتخابات، بل أيضاً بصناعة رواية سياسية هدفها التشكيك بشرعية التمثيل السياسي العربي ونزع الثقة عنه أمام الرأي العام.
هذه السياسة ليست جديدة. فمنذ سنوات طويلة، يعتمد اليمين الإسرائيلي على تصوير الأحزاب العربية باعتبارها جهات غير مؤهلة للمشاركة في صناعة القرار، رغم أنها تمثل مئات آلاف المواطنين العرب أصحاب الحق الكامل في التمثيل السياسي. وكلما اقتربت هذه الأحزاب من التأثير في تشكيل الحكومات أو ترجيح كفة معسكر سياسي على حساب آخر، ارتفعت حدة حملات التحريض والتخويف ضدها.
واللافت أن الهجوم لا يقتصر على الأحزاب العربية نفسها، بل يمتد إلى أي حزب يهودي ليبرالي أو وسطي يفكر في التعاون معها. وهكذا تصبح الشراكة العربية اليهودية، التي يفترض أن تكون تعبيراً طبيعياً عن العمل الديمقراطي، هدفاً لحملات التخوين ونزع الشرعية. والهدف الواضح من ذلك هو إغلاق الطريق أمام أي ائتلاف سياسي يمكن أن يطيح بحكومة نتنياهو أو يفتح الباب أمام تغيير حقيقي في الخريطة السياسية.
في المقابل، تطرح القيادات العربية رؤية مختلفة قائمة على الشراكة والمساواة. فقد أكد يوسف جبارين استعداده لتمهيد الطريق لإسقاط حكومة نتنياهو، مشدداً على أن التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا عبر شراكة عربية يهودية حقيقية ومتساوية، وعبر بناء بديل سياسي لسياسات الإقصاء والعنصرية. وهذا الطرح بالذات يفسر حجم الحساسية التي يبديها اليمين تجاه أي تقارب بين الأحزاب العربية والقوى الديمقراطية والليبرالية داخل إسرائيل، لأنه يهدد المعادلة السياسية التي سمحت له بالهيمنة على الحكم لسنوات طويلة.
كما أن موقف منصور عباس بشأن الاتهامات الموجهة للأحزاب العربية يعكس مقاربة مختلفة تماماً عن لغة التحريض. فقد أكد أن:
"الحفاظ على نزاهة الانتخابات وسيادة القانون واجب مدني وديمقراطي نلتزم به. ولا علاقة للقائمة العربية الموحدة بالقضية المذكورة أو بأي قضايا أخرى، ونؤكد تعاوننا الكامل مع جميع سلطات إنفاذ القانون لكشف الحقيقة".
وأنا أجد هذا الموقف جديراً بالثقة لأنه يدعو إلى الاحتكام للقانون والمؤسسات المختصة بدلاً من التحريض وإصدار الأحكام المسبقة أو استغلال الاتهامات في المعارك السياسية. فالديمقراطية الحقيقية لا تُبنى على الشائعات والتخوين، بل على الأدلة والتحقيقات والنظام القضائي.
ولعل المفارقة الأبرز التي كشفتها الانتخابات الأخيرة أن الفائز الحقيقي لم يكن أي حزب أو معسكر سياسي، بل الإحباط السياسي نفسه. فقد احتفل نتنياهو بنتائج أفضل مما توقعته استطلاعات الرأي، لكن معسكره خسر عدداً كبيراً من المقاعد مقارنة بانتخابات سابقة. وفي الوقت نفسه، لم تنجح قوى المعارضة في تحويل تقدمها في الاستطلاعات إلى انتصار سياسي حاسم، بينما تراجعت الأحزاب الحريدية رغم نموها الديمغرافي. أما الأحزاب العربية فقد حققت إنجازاً انتخابياً مهماً وتاريخياً، لكنها تواجه صعوبة في ترجمة هذا الإنجاز إلى نفوذ سياسي فعلي داخل مراكز صنع القرار.
وهنا تكمن جوهر المشكلة. فالعقبة الأساسية أمام الأحزاب العربية ليست حجم تمثيلها الشعبي أو شرعيتها الديمقراطية، وإنما الجدار السياسي الذي يُبنى باستمرار لمنع تحويل هذا التمثيل إلى تأثير حقيقي. فعندما ينجح العرب في صناديق الاقتراع تُثار الاتهامات. وعندما يسعون إلى الشراكة مع الأحزاب اليهودية الديمقراطية يُتهمون بتهديد الدولة. وعندما يطالبون بالمساواة المدنية والسياسية يُصوَّرون وكأنهم خارج الإجماع السياسي.
إن ما نشهده هو محاولة متواصلة لإبقاء الأحزاب العربية داخل حدود التمثيل الرمزي، ومنعها من التحول إلى شريك فعلي في تشكيل الحكومات وصناعة القرارات. ولذلك فإن التحريض ضد العرب ونزع الشرعية عن ممثليهم لا يخدم نزاهة الانتخابات ولا الديمقراطية، بل يخدم مصالح قوى سياسية تخشى فقدان السلطة. كما أن الدفع المتكرر نحو انتخابات جديدة، كلما ظهرت إمكانية لقيام ائتلاف بديل، يبدو بالنسبة للكثيرين محاولة لإعادة إنتاج الاستقطاب والخوف أملاً في إبقاء نتنياهو ووزرائه المتطرفين جاثمين على صدر الحياة السياسية في إسرائيل، وعلى حساب الفلسطينيين وفرص الاستقرار والسلام في المنطقة.
يجب التوضيح انه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تكون كاملة ما دام ملايين المواطنين يُنظر إلى ممثليهم السياسيين باعتبارهم شركاء غير شرعيين. والطريق إلى التغيير لا يمر عبر التحريض والتخويف، بل عبر الاعتراف المتبادل والشراكة السياسية المتساوية بين العرب واليهود، وهي الرؤية التي يخشاها اليمين أكثر من أي شيء آخر لأنها تفتح الباب أمام بديل سياسي قادر على كسر احتكاره الطويل للسلطة.