كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

فرنسا بعد روسو وسارتر… من يصوغ وعي الثورة؟

سارة محمد مرزوڨي · 28/10/2026 الساعة 15:05

ليست كل ثورة تبدأ من الشارع؛ فبعضها يولد من كتاب، وبعضها من تراكم الوجع حين تتسع المسافة بين واقع الناس ووعود الدولة. وبين الاحتجاج والتغيير الحقيقي، يظل السؤال: هل يكفي الغضب لصناعة مستقبل مختلف، أم يحتاج إلى فكرة تمنحه الاتجاه؟

فرنسا التي ارتبط اسمها بثورة 1789 لم تصنع تاريخها السياسي بالسخط وحده، بل سبقت انفجارها معركة فكرية حول السلطة والحرية والسيادة. كان جان جاك روسو قد رحل عام 1778، قبل سقوط الباستيل بأحد عشر عاما، لكنه ترك في كتابه «العقد الاجتماعي» أسئلة جوهرية عن شرعية الحكم ومكانة الشعب بوصفه مصدر السيادة. وإلى جانبه، أسهم فولتير ومونتسكيو في زعزعة مسلمات الملكية المطلقة.

لم يكن روسو قائد الثورة، لكنه أسهم في صياغة الأسئلة التي جعلت التمرد على النظام القديم ممكنا. فالأفكار لا تصنع التاريخ وحدها، لكنها تمنح التحولات لغة تتجاوز حدود الشكوى.

وبعد قرابة قرنين، برز جان بول سارتر في سياق انتفاضة مايو 1968، حين امتد الاحتجاج من الجامعات إلى المصانع، وتجاوز رفض السياسات الحكومية إلى مساءلة أنماط السلطة والعلاقات الاجتماعية. لم يكن سارتر مهندس الانتفاضة الوحيد، لكنه جسّد صورة المثقف الذي لا يكتفي بمراقبة التاريخ، بل ينخرط في أسئلته ويجعل من الكتابة موقفا ومسؤولية.

بين روسو وسارتر مسافة زمنية وفكرية، لكنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة: أن الاعتراض يكتسب عمقا حين يجد لغة تفسره وأفقا يتجاوز لحظته.

فماذا عن فرنسا اليوم؟

إن تجدد الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، وما يرافقه من نقاشات حول العدالة الاجتماعية ومستقبل الشباب والثقة بالمؤسسات، يعيد طرح سؤال يتجاوز المطالب الآنية: ماذا يريد المحتجون أن يبنوا بعد أن يعلنوا رفضهم؟

لا يعني ذلك أن فرنسا تعيش بالضرورة ثورة مكتملة المعالم، أو أن المحتجين يشكلون كتلة متجانسة. لكنه يفتح النقاش حول حدود التمثيل السياسي، وقدرة الجمهورية على الوفاء بوعودها الاجتماعية، ومدى شعور المواطن بأن صوته قادر على التأثير في القرار.

فثمة فرق بين امتلاك أسباب الغضب وامتلاك تصور لما ينبغي أن يأتي بعده. قد تتفق فئات واسعة على رفض سياسة حكومية أو الاحتجاج على غلاء المعيشة، لكنها تختلف حين يتعلق الأمر بالنموذج الاقتصادي البديل، وعلاقة الدولة بالمجتمع، وحدود السلطة، وكيفية الجمع بين الحرية والعدالة الاجتماعية.

إن القدرة على حشد الجماهير لا تعني وحدها القدرة على بناء مشروع مستدام، وبين الاعتراض والتأسيس مسافة لا يقطعها الغضب بمفرده.

ولا يعني ذلك أن كل حركة احتجاجية تحتاج إلى روسو جديد يمنحها الشرعية، أو إلى سارتر يقودها فكريا. فحقوق الناس لا تنتظر شهادة الفلاسفة، كما أن الأفكار لم تعد تصدر بالضرورة عن أسماء فردية كبرى، بل تتشكل داخل الجامعات والنقابات والحركات المدنية والفضاءات العامة.

لكن المجتمعات تحتاج إلى من يحول التجارب الفردية إلى نقاش عام، ويكشف التناقضات التي قد تخفيها الشعارات. كما تحتاج إلى مؤسسات لا تختزل الاحتجاج في جانبه الأمني، ولا تتجاهل أسبابه الاجتماعية. فالعنف والتخريب لا يصنعان بديلا سياسيا، مثلما أن إهمال مطالب الناس لا يحقق استقرارا مستداما.

إن قيمة فرنسا التاريخية لا تكمن فقط في أنها أنجبت روسو وسارتر، بل في أنها جعلت أسئلة الحرية والسلطة والمواطنة جزءا من نقاشها العام. ومن حق الأجيال الجديدة أن تعيد طرح هذه الأسئلة بلغتها الخاصة، بعيدا عن استنساخ تجارب الماضي.

فالسؤال ليس أين روسو الذي سيكرر عام 1789، ولا أين سارتر الذي سيعيد مايو 1968، بل هل تستطيع فرنسا أن تنتج من داخل أزماتها لغة سياسية جديدة، تعيد وصل المبادئ الجمهورية بالتجربة اليومية للمواطنين؟

ربما لا تحتاج فرنسا اليوم إلى فيلسوف يشبه روسو، بقدر ما تحتاج إلى فضاء عام ينتج أفكارا تتجاوز الاستقطاب، وسياسة تعيد الاعتبار للنقاش العقلاني، ومؤسسات تثبت أن الجمهورية ليست شعارا، بل عقدا متجددا بين الدولة ومواطنيها.

فالثورات لا تقاس فقط بما تهدمه، بل بما تؤسسه من أفكار وقواعد جديدة للحياة المشتركة. وحين تثور الشوارع، قد يسمع العالم صوت الغضب، لكن التاريخ لا يكتمل إلا حين يصبح لهذا الصوت معنى، وللمعنى أفق، وللأفق مشروع يستطيع الناس أن يتعرفوا فيه على مستقبلهم

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع