كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

هندسة المجهول

رانية مرجية · 26/10/2026 الساعة 10:47

في الثالثة فجرًا، كان الهاتف مضاءً على حافّة السرير.

كتبت: «هل تغيّر شيء؟»

ثم محَت السؤال.

كتبت: «أريد أن أفهم.»

ومحَتْه أيضًا.

ظلّت الشاشة مضاءة بين يديها. كلّما خبا ضوؤها، لمسته بإبهامها، وكلّما أضاءت، انتظرت أن يتبدّل شيء. وحين وصل إشعار عابر، أفلت الهاتف من أصابعها وسقط على الفراش. التقطته، وأعادت فتح الشاشة. عند الفجر، كتبت السؤال للمرة الثالثة. استقرّ إصبعها فوق زرّ الإرسال، ثم تراجع. أغلقت الهاتف وتركته على الطاولة. غسلت وجهها وفتحت النافذة. في المزهرية، تدلّت بتلة يابسة من ساقها. نزعتها، فتفتّتت بين أصابعها. نفضت كفّها وارتدت ثيابها.

في الشارع، كانت أبواب المخابز ترتفع ببطء، وكانت رائحة الخبز تتسلّل إلى الرصيف. اشترت قهوة وجلست تحت شجرة. أحاطت الكوب بكفّيها، وتركت البخار يصعد إلى وجهها. رنّ الهاتف. أخرجته من الحقيبة. ظهر إشعار، لا الرسالة التي انتظرتها. مرّ ظفرها على حافّة الشاشة، ثم أطفأتها وأعادت الهاتف إلى مكانه. بقيت يدها فوق الحقيبة لحظة، قبل أن تسحبها. تابعت عصفورًا يلتقط فتات الخبز قرب قدميها. طار حين اقترب منه طفل، فعادت بنظرها إلى الطريق. بعد قليل، أخرجت الهاتف مجددًا.

فتحت الرسالة. قرأت السطر الأول، ثم الثاني. وعند الأخير، توقّف إبهامها على حافّة الجهاز. عادت إلى البداية وقرأت من جديد. انحدرت دمعة على الشاشة. مسحتها بطرف كمّها وأغلقت الهاتف. ظلّت كفّها فوقه لحظة، ثم وضعته في الحقيبة وأغلقت سحّابها. رفعت القهوة إلى فمها. كانت قد بردت. شربت رشفة، وتركت ما تبقّى على الطاولة.

في طريق العودة، اشترت رغيفًا دافئًا. عند الإشارة، أدارت المفتاح الصغير في جيب معطفها بين إصبعين. وحين تحوّل الضوء إلى الأخضر، عبرت. عند باب البيت، أخطأت ثقب القفل من المحاولة الأولى. سحبت المفتاح، قلبته، ثم أدخلته من جديد. استدار القفل. في المطبخ، وضعت الرغيف على اللوح وغسلت تفّاحة. مرّرت السكين تحت القشرة بحركة متّصلة، فالتفّت شريطة طويلة حول الثمرة، ثم انفصلت عند طرفها وسقطت.

اهتزّ الهاتف داخل الحقيبة. توقّفت السكين. مدّت يدها نحو الحقيبة ولامست السحّاب. بقيت أصابعها هناك لحظة، ثم سحبت يدها وعادت إلى التفّاحة. استأنفت التقشير من الموضع الذي توقّفت عنده، حتى انكشفت الثمرة كاملةً. وضعت السكين جانبًا وفتحت النافذة. كان الصباح قد دخل المطبخ.

شعرخاطرة
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع