كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

الحاج موسى شلاعطة، أبو سفيان… ذاكرة طيبة وجسر بين سخنين والطيرة

د. غزال أبو ريا · 24/10/2026 الساعة 22:41

 

رحم الله الحاج موسى شلاعطة، أبا سفيان، وأسكنه فسيح جناته.

انتقل المرحوم في شبابه من سخنين إلى الطيرة في أوائل ستينيات القرن الماضي، وهناك بنى بيته وأقام أسرته، تاركًا بصمته الطيبة في المجتمع الذي عاش بين أهله وأحبائه.

وما أودّ الحديث عنه اليوم هو جانب من ذكرياتي الشخصية معه، ودوره في تشجيعي على إقامة اللقاءات التربوية والإنسانية بين طلابنا، وتعزيز أواصر المحبة والتواصل بين أبناء مجتمعنا.

بدأت مسيرتي معلّمًا ومربيًا في المدرسة الثانوية في سخنين، التي حملت اسم المرحوم جمال طربية، طيّب الذكر، عام 1978. وكان يشغلني آنذاك تنظيم لقاءات عربية بين الطلاب، إيمانًا مني بأهمية التعارف والتواصل وتبادل الخبرات بين أبناء بلداتنا العربية.

بادرتُ إلى تنظيم لقاء طلابي في الطيرة، حيث استقبلنا الأستاذ رشدي حاسكية، من المدرسة الثانوية في الطيرة، استقبالًا طيبًا. وعندما استضافني الأستاذ رشدي في بيته العامر، دعا أحد أقاربه، الأستاذ علي المختار،  عبد الحي ابو العبد رحمه الله، الذي حدّثني عن تجربته التعليمية في سخنين عام 1950، وراح يستعيد ذكرياته الجميلة عن سخنين وسهل البطوف وأهلهما.

كانت تلك اللقاءات فرصة لاكتشاف الذاكرة المشتركة بين بلداتنا، والتعرّف إلى قصص تربط بين الناس والأماكن والأجيال.

وفي تلك المرحلة، تحدثت مع المرحوم الحاج موسى شلاعطة، أبي سفيان، عن أهمية هذه اللقاءات، فشجّعني ودعمني، وكان يرى فيها فرصة لتعزيز المحبة والتواصل بين الطلاب، وترسيخ العلاقات الإنسانية بين أهلنا في سخنين والطيرة والطيبة.

وبعد ذلك، بادرنا إلى تنظيم لقاءات مع مدارس الطيبة، حيث استقبل المرحوم زكي الناشف طلابنا، وشارك في هذه اللقاءات المربي أبو صالح، الذي كان معلّمًا للغة الإنجليزية.

كم أسعدت هذه اللقاءات المرحوم أبا سفيان! فقد كان يرى فيها أكثر من مجرد نشاط مدرسي؛ كانت بالنسبة إليه جسورًا للتواصل، ومساحات للتعارف، وفرصًا لبناء علاقات طيبة بين أبناء البلدات العربية.

اللقاءات الطلابية… جسور للمحبة والسلم الأهلي

إن استذكار تجربة المرحوم الحاج موسى شلاعطة، أبي سفيان، يعيد إلى أذهاننا أهمية اللقاءات التربوية والإنسانية بين طلاب مدارسنا العربية. وهي تجربة تستحق أن نعود إليها اليوم، وأن نعمل على إحيائها وتطويرها بما يتلاءم مع تحديات مجتمعنا واحتياجات أجيالنا الصاعدة.

أرى أن الوقت قد حان لعودة المدارس إلى تنظيم لقاءات مشتركة بين الطلاب العرب في مختلف مناطق البلاد، في المثلث والنقب والجليل، وكذلك في المدن المختلطة.

إن هذه اللقاءات تتيح للطلاب فرصة التعارف، وتبادل الخبرات، واكتشاف القواسم المشتركة، وتعزيز الانتماء والهوية، وبناء علاقات إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية. وهي تساعد أبناءنا على التعرف إلى واقع مجتمعاتهم، والاستماع إلى تجارب الآخرين، واكتشاف ما يجمعهم من آمال وتطلعات وتحديات مشتركة.

إن المدرسة ليست مكانًا للتعليم والتحصيل الأكاديمي فحسب، بل هي أيضًا فضاء للتربية على القيم، وتنمية روح الانتماء والتسامح، وتعزيز الحوار وقبول الآخر، وترسيخ ثقافة حل النزاعات بالطرق السلمية.

ومن هنا، أدعو إدارات المدارس والمعلمين والمربين والمؤسسات التربوية والاجتماعية إلى المبادرة لتنظيم لقاءات طلابية دورية، تتضمن أنشطة ثقافية وتربوية ورياضية وفنية مشتركة، تتيح لأبنائنا وبناتنا أن يتعرفوا بعضهم إلى بعض، وأن يبنوا صداقات وعلاقات تستمر معهم في المستقبل.

كما أنني أرى أهمية أن تتحول هذه اللقاءات إلى مشروع تربوي منظم ومستدام، تشارك فيه المدارس والسلطات المحلية والمؤسسات المجتمعية، بحيث لا تبقى المبادرات رهينة جهود أفراد، بل تصبح جزءًا من رؤيتنا التربوية والاجتماعية لبناء مجتمع متماسك، يؤمن بالحوار والشراكة والسلم الأهلي.

لقد علّمتنا التجربة أن اللقاء يولّد المعرفة، والمعرفة تفتح أبواب التفاهم، والتفاهم يمهّد الطريق أمام المحبة والسلام.

رحم الله الحاج موسى شلاعطة، أبا سفيان، الذي شجّع هذه اللقاءات وآمن بقيمتها. لم يكن مجرد رجل انتقل من سخنين إلى الطيرة وبنى فيها بيتًا وأسرة، بل كان أيضًا إنسانًا آمن بأهمية اللقاء والتواصل، وشجّع المبادرات التي تجمع الناس وتقرّب القلوب.

ستبقى ذكراه حاضرة في نفوس كل من عرفه، وفي ذاكرتي الشخصية، لما تركه من أثر طيب وتشجيع صادق في مسيرتي التربوية والإنسانية.

رحمك الله يا أبا سفيان، وجعل ما زرعته من محبة وتواصل في ميزان حسناتك، وأسكنك فسيح جناته.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع