كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

أوفى دَينه كاملاً

حاتم خوري · 24/10/2026 الساعة 17:22

كنتُ في مطلع العقد الثالث من عمري عندما وجدت نفسي أسير في موكب تشييع جثمان المرحوم سالم أبو مخايل، أحد أبناء قريتنا فسوطه الذين عُرفوا بحبّهم للأرض، وصدقهم في المعاملة، واستقامتهم في الحياة.

كان الموكب يشقّ طريق الوداع من الكنيسة إلى المقبرة، في ذلك الدرب الذي حفظته أقدامُ المشيِّعين جيلاً بعد جيل، حتى غدا شاهدًا صامتًا على أحزان القرية، وعلى تعاقب الوجوه والأسماء، بينما تبقى الأرض هي الأرض، والسماء هي السماء.

كانت الشموع تتقدم الموكب بألسنة ضوءٍ خافتة، كأنها تحاول أن تبدد شيئًا من رهبة الرحيل، فيما كان الكاهن والشمّاس مهيوب أبو سليم يرتلون الصلوات البيزنطية العريقة، فتتردد أصداؤها بين أزقة فسوطه وبيوتها الحجرية القديمة، وكأن الطبيعة كلها تشارك أهل القرية وداع أحد أبنائها.

أما النعش فكان محمولاً على أكتاف رجال يعرفون أن هذا الحمل ليس مجرد حمل خشب وجثمان، بل هو حمل لذكرياتِ عمرٍ كامل، ولحكايات ستنتقل بعد اليوم من لسان إلى لسان. وخلف النعش كان المشيعون يسيرون في صمت مهيب، تخطو أقدامهم ببطء، بينما كانت ملامحهم تنطق بما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه.

في ذلك اليوم استولى عليّ شعور لم أستطع تفسيره. أحسست بانقباض في القلب، وبغصّة تسلّلت إلى الحلق، حتى خُيّل إليّ أن دموعي تسبقني. استغربت نفسي، وحاولت أن أجد سببًا لهذا التأثر، فلم أفلح.

فالفقيد لم يكن شابًا يافعًا خطفه الموت في ربيع العمر، فيستثير في النفوس لوعة الفقد المبكر، بل كان قد تجاوز الثمانين، بعد حياة طويلة حافلة بالعمل والتعب والكفاح. كما أنه لم يكن من أقربائنا، ولا من الأصدقاء الملازمين لوالدي، ولم تجمعني به علاقة خاصة تتجاوز المعرفة العادية التي تربط أبناء القرية بعضهم ببعض.

كل ما كان يجمعنا هو ذلك الخيط الخفي الذي لا يُرى، لكنّه أشدّ متانة من كثير من روابط الدم؛ خيط الانتماء إلى البلدة نفسها، وإلى الأزقة ذاتها، وإلى الذكريات المشتركة التي يصنعها المكان في نفوس أبنائه. ففي القرى الصغيرة يكبر الناس معًا، ويحمل كل واحد منهم شيئًا من قصة الآخر، حتى وإن لم يتبادلا الحديث إلا مرات معدودة.

وبينما كنت أفتّش في داخلي عن سرّ هذا الانفعال، بدأ الجواب يتشكل شيئًا فشيئًا، لا في عقلي فحسب، بل في سمعي أيضا.

كان الشماس مهيوب أبو سليم يرتّل بصوته الجهوري ترتيلة "آجيوس" الخالدة، تلك الترتيلة البيزنطية التي ترافق وداع الراحلين منذ قرون، فتختلط فيها رهبة الموت برجاء القيامة:

"قدوسٌ الله،
قدوسٌ القوي،
قدوسٌ الذي لا يموت،
ارحمنا".

لم تكن تلك المرة الأولى التي أسمع فيها صوت الشماس مهيوب في جنازة او مناسبة دينية أخرى، غير ان صوته في ذلك اليوم بدا مختلفًا؛ أكثر عمقا ودفئا وتأثيرا، وكأنّه يخرج من أعماق قلبه، لا من حنجرته فقط. لم يكن يرتّل لحنًا محفوظًا، بل كان يسكب تجربة عمر بأكمله في كل نغمة. أحسستُ وكأنّ الحزن نفسه قد استعار صوته ليعبّر عن ذاته، وكأن كل كلمة تخرج منه محمولة بصدق لا يعرف التصنّع.

كان صوته عذبًا، لكنه لم يكن جمالًا موسيقيًا فحسب، بل كان جمالًا إنسانيًا.  فيه خشوع المؤمن، ووفاء الصديق، وانكسار الإنسان أمام سرّ الموت. كانت النغمات تنساب في الفضاء بهدوء، ثم تستقر في القلوب قبل الآذان، حتى بدا المشيعون جميعًا كأنهم يتنفسون على إيقاع تلك الصلاة القديمة.

وفجأة...

فتحت تلك الترتيلة بابًا في ذاكرتي كنت أظنُّه قد أُغلق إلى الأبد. عادت بي السنوات إلى الوراء، أكثر من عقدين، حتى وجدت نفسي أستعيد حادثة بدت يوم وقوعها بسيطة، بل وربما طريفة، لكنها مع مرور الزمن كشفت لي عن معنى عميق ظلَّ يكبر في داخلي كلما تقدمت بي السنون.

كانت القصة تجمع بين رجلين من خيرة أبناء القرية: المرحوم سالم أبو مخايل الذي نشيّع جثمانه، والشماس المرتّل مهيوب أبو سليم.

كان سالم فلاحًا بالفطرة قبل أن يكون فلاحًا بالمهنة. كان يعشق أرضه كما يحبُّ الأب أبناءه، ويعامل أشجار كرمه معاملة أعزّائه. لم يكن يرى فيها مجرد مصدر رزق، بل كان يرى فيها ثمرة جهده، وامتداد عمره، وذاكرة الأيام التي قضاها تحت الشمس، يزرع ويغرس ويقلّم ويروي.

كان يعرف كل شجرة كما يعرف أفراد أسرته. يعرف أيّها أثمرت أولاً، وأيّها احتاجت إلى عناية أكبر، وأيّها قاومت الجفاف. وكانت الأغراس الجديدة، على وجه الخصوص، تحظى منه برعاية استثنائية، لأنها تمثل المستقبل الذي ينتظره بصبرِ الفلاحين.

وفي صباح أحد الأيام، خرج إلى كرمه كعادته، يحمل أدواته الزراعية وقلبه المطمئن، فإذا بالمشهد الذي استقبله يبدّد ذلك الاطمئنان كله. لقد وجد حمار الشماس مهيوب يتجول بين الأغراس الحديثة، يسرح حيث يشاء، وقد أفسد عددًا منها بعد أن اقتحم الكرم أكثر من مرة.

توقف سالم مذهولاً، ثم تحولت دهشته سريعًا إلى غضب عارم. أسرع نحو الحمار، وأمسك به، وربطه بإحكام، وقد عقد العزم هذه المرة ألا يعيده إلى صاحبه قبل أن يحصل على تعويض كامل عن الأضرار التي لحقت بكرمه، بل وأن يدفّع صاحبَه غرامةً تكون درسًا لكل من يستهين بحقوق الناس أو يفرّط في ممتلكاتهم.

ولم يطل الوقت حتى وصل الشماس مهيوب، وقد بدا عليه الارتباك والحَرَج. كان يعلم أن حماره كثير الشرود، وكان يدرك أن هذه ليست المرة الأولى التي يقتحم فيها الكرم، ولذلك بدأ حديثه بالاعتذار، محاولًا أن يخفّف من غضب سالم.

غير أن الاعتذار، مهما كان صادقًا، لم يجد سبيلًا إلى قلب الرجل الغاضب. شرح مهيوب ظروفه، ووعد بألا يتكرّر الأمر، واستعطفه بكلمات طيّبة، لكنّ كل كلمة كانت ترتد عن قلب سالم كما ترتد الأمواج عن صخرة صلبة.

وكلما ازداد مهيوب لينًا، ازداد سالم تشدّدًا. ولم يعد الخلاف يدور حول أغراس قليلة أتلفها الحمار، بل تحول، شيئًا فشيئًا، إلى قضية كرامة، وإلى إصرار كل طرف على إثبات حقّه وعدم التراجع عنه.

عندئذٍ أدرك مهيوب أن الحوار بينهما وصل إلى طريق مسدود، فلم يجد ملجأً إلا الرجل الذي كان أهل القرية جميعًا يلجأون إليه حين تستعصي الخصومات، ويضيق صدر المتخاصمين عن التسامح...

ذلك الرجل كان والدي، مختار القرية، الذي عُرف بين الناس بحكمته، واتزان رأيه، وسعة صدره، وقدرته الفريدة على رأب الصدع بين المتخاصمين، حتى إن كثيرين كانوا يقولون إن كلمته الهادئة كانت تفعل في النفوس ما لا تفعله عشرات الأحكام.

دخل الشماس مهيوب ديواننا على عجل، وكان القلق بادياً على قسمات وجهه. جلس بين الضيوف، لكن اضطرابه لم يمهله طويلاً؛ فما إن سنحت له الفرصة حتى راح يروي ما جرى بصوت يختلط فيه الأسى بالرجاء. لم يكن يطلب أن ينتصر على سالم، وإنما كان يبحث عن مخرج يحفظ حقّه، ويعيد إليه حماره، ويطوي صفحة الخلاف قبل أن تكبر.

كان والدي، رحمه الله، يصغي إليه في هدوئه المعتاد. لم يقاطعه، ولم يستعجل الحكم، ولم يُظهر انحيازًا لطرف دون آخر. كان يؤمن أن أول أبواب الإصلاح هو الإصغاء، وأن الإنسان إذا وجد من يسمعه باهتمام هدأ غضبُه، وانخفض صوته، وأصبح أكثر استعدادًا لأن يسمع غيره.

وحين فرغ مهيوب من حديثه، قال له والدي برفق: "لا أنكر يا مهيوب أن سالم قد بالغ في غضبه، ولكن لا تنسَ أن الإهمال كان منك، وأن الحمار لم يقتحم الكرم فقط مرة واحدة. إن للناس حقوقًا، ومن واجبنا أن نصونها كما نصون حقوقنا".

هزّ مهيوب رأسه موافقًا، واعترف بخطئه من غير جدال، ثم قال: "أعلمُ ذلك، ولهذا جئت إليك. ما أريده ليس أن أتنصل من المسؤولية، بل أن تنتهي هذه الخصومة بيننا بالمعروف".

ابتسم والدي ابتسامة خفيفة، ثم قال: "اذهب مطمئنًا، وسأحاول ما استطعت أن أصلح بينكما".

ولم يكد الضيوف يغادرون الديوان حتى أرسل والدي في طلب سالم أبو مخايل.

دخل سالم، وما تزال نار الغضب تتقد في صدره. كانت ملامحه جامدة، وخطواته حازمة، وكأنما جاء ليؤكد موقفه لا ليسمع رأيًا آخر. رحّب به والدي، وأجلسه إلى جانبه، ثم بدأ يحدثه حديث الأخ لأخيه، لا حديث القاضي للمتخاصم.

قال له: "يا أبا مخايل، أنت رجل عرفناك بالشهامة، وما قصدتَ يومًا ظلم أحد. نعم، من حقك أن تغضب، ومن حقك أن تطالب بالتعويض، ولكن تذكّر "أن خير الناس من جمع بين الحق والرحمة". ثم أخذ يذكّره بما كان يتداوله الناس من أمثال الآباء والأجداد: "المسامح كريم"... و"العفو زينة الرجال"... و "من زرع المعروف حصد المحبة"... و"أهل السماح ملاح"...

كان ينطق بهذه الكلمات بهدوء الواثق، وهو يعلم أن الحكمة الشعبية لم تعش كل هذه القرون عبثًا، وإنما بقيت لأنها لامست حقيقة الإنسان، لكن سالم بقي على موقفه. كان يستمع باحترام، غير أن الغضب كان قد أقام في قلبه حصنًا منيعًا، فلم تجد كلمات الحكمة منفذًا إليه.

وحين رأى والدي أن لغة الأمثال لم تؤت ثمارها، انتقل إلى لغة الإيمان، وهي اللغة الأقرب إلى قلب أبناء القرية. قال له بصوت خفيض: "يا أبا مخايل... كم مرّة نحن نصلّي كل يوم، "الصلاة الربانية" قائلين: "واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر لمن أساءَ إلينا."  ألسنا نطلب من الله أن يعاملنا بالمغفرة نفسها التي نعامل بها الناس؟

ساد صمت قصير.

بدا أن الكلمات لامست شيئًا في داخله، لكنه ظلّ مترددًا، وكأن كبرياءه يمنعه من أن يخطو الخطوة الأولى نحو التسامح.

وفي تلك اللحظة بالذات، سُمع جرس الكنيسة يدقّ "دقة حزن" يعرفها كل أبناء فسوطه. كان رنينه عميقًا، مهيبًا، متقطعا، فما إن يسمعه الناس حتى يدركوا أن الموت قد طرق باب بيت جديد، وأن واحدًا من أهل القرية قد أنهى رحلته على هذه الأرض.

توقفت الكلمات.

وأخذ الجميع ينصتون إلى وقع دقات الجرس، وهي تتردد بين الازقة والبيوت، كأنها تذكِّر البشر جميعًا بالحقيقة التي ينسونها وسط انشغالهم بخلافاتهم الصغيرة.

نظر والدي إلى سالم، ثم قال بهدوء امتزجت فيه الحكمة بالتجربة: "يا أبا مخايل... الدنيا فيها حياة وموت. اليوم نتخاصم على كرم وحمار، لكن العمر أقصر مما نظن. فإذا جاء يومُ رحيلك لا سمح الله، فمن الذي سيقف إلى جانب الخوري في الكنيسة، ويرتل الصلاة على روحك، غير الشماس مهيوب؟".

لم تكن الجملة طويلة، لكنها كانت أشبه بمفتاح فتح بابًا مغلقًا في النفس.

رأيت ملامح سالم تتغير شيئًا فشيئًا. انخفض بصره إلى الأرض، وغاب في صمت طويل، كأنه أخذ يراجع في لحظة واحدة سنوات عمره كلها. وربما رأى نفسه، لأول مرة، واقفًا على الضفة الأخرى من الحياة، حيث تتضاءل الخصومات، وتفقد المكاسب الصغيرة قيمتها أمام حقيقة الرحيل.

طال الصمت، حتى خُيّل إلينا أنه لن يتكلم. ثم رفع رأسه، وتنهد تنهيدة عميقة، وقال بصوت خافت، ولكنه حاسم: "معك حق يا مختار...". وسكت لحظة، ثم أردف: "طيّب... أنا مسامحه... لكن قلّ له إن هذا دَين عليه".

ما إن نطق بهذه الكلمات حتى شعر الجميع بأن عبئًا ثقيلاً قد انزاح عن المكان.

ابتسم والدي، ونهض يصافحه، ثم أرسل في طلب مهيوب.

ولم تمضِ ساعة حتى عاد الحمار إلى صاحبه، وعادت المودة بين الرجلين، وكأن شيئًا لم يكن.

انتهت الحادثة، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي، لكن عبارة سالم الأخيرة بقيت عالقة في الذاكرة: "هذا دَين عليه."

ومرت السنوات...

رحل أناس، وجاء آخرون، وتبدلت وجوه كثيرة في القرية، بينما بقيت تلك العبارة كامنة في أعماقي، حتى كدت أنساها مع زحمة الأيام.

إلى أن جاء ذلك اليوم... يوم كنت أسير في جنازة سالم أبو مخايل.

كان الشماس مهيوب يقف إلى جوار النعش، يرفع صوته بترتيلة «آجيوس»، بكل ما أوتي من خشوع وإيمان. لم يكن في صوته أثر لتلك الخصومة القديمة، ولا ظلّ لمرارةٍ عابرة. بل كان يصلي كما يصلي الابن لأبيه، أو الأخ لأخيه.

حينها فقط انكشف لي المعنى الذي ظلّ غامضًا كل تلك السنين. لقد تذكرت عبارة سالم: "هذا دَين عليه."

وأدركتُ أن مهيوب لم ينسها يومًا. لقد حملها في قلبه، لا بوصفها عبئًا ثقيلاً، بل بوصفها عهدًا من الوفاء. وحين جاءت ساعة الوداع، وقف يؤدي ذلك العهد بأمانةٍ كاملة، ويودّع الرجل الذي عفا عنه، بأصدق صلاة يستطيعها.

لم يكن يردّ جميلًا ماديًّا، ولا يسدّد حسابًا بين شخصين، وإنّما كان يوفي دَينًا من نوع آخر؛ دَينًا لا تكتبه الدفاتر، ولا تحصيه الأرقام، ولا يعرفه إلا أصحاب النفوس الكريمة.

عندها فهمت أن بعض الديون لا تُسدَّد بالنقود، بل بالمواقف. وأن بعض الحقوق لا يردها القضاء، بل يردها الضمير. وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس بيتًا بناه، ولا أرضًا امتلكها، ولا مالًا ادّخره، وإنما قلبًا أحسن إليه، أو دمعةً مسحها، أو خصومةً أنهى نارها بالعفو.

فالعفو لا يمحو الإساءة فحسب، بل يخلق في النفوس التزامًا أخلاقيًا قد يمتدّ سنوات طويلة، حتى إذا ظنّ الناس أنه اندثر، عاد في لحظة صدق ليتجلّى في أبهى صوره. ذلك هو الدَين الذي لا يسقط بالتقادم. وذلك هو الوفاء الذي لا تفرضه القوانين، بل تمليه المروءة.

ولما انتهت مراسم الدفن، وأخذ الناس يتفرقون في هدوء، التقت عيناي بعيني الشماس مهيوب. تقدمت نحوه، صافحته بحرارة، ونظرت إليه مبتسمًا، ثم قلت بصوت خافت لا يسمعه سوانا: "لقد أوفيتَ دَينك كاملاً".

ابتسم مهيوب ابتسامة امتزج فيها الحياء بالإيمان، ولم يقل شيئًا. ولم يكن بحاجة إلى أن يقول.  فبعض المواقف أبلغ من الكلام، وبعض الديون لا يُكتب إيصالٌ بوفائها، لأنها تُسجَّل في سجلٍ لا يراه الناس... وإنما تحفظه القلوب، ويباركه الله.

** نصٌّ من كتابي الجديد الذي سيصدر قريبا بعنوان "ذاكرة قرية...سيرة وطن"

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع