الطابور- قصة قصيرة/ بقلم منال مصطفى
كانت الشمس تميل نحو المغيب ببطء ثقيل، تلقي ظلالًا طويلة شاحبة على ساحة المدينة المركزيّة. هواء المساء كان مشبعًا برائحة الغبار والرطوبة، حين وقف "أبو سليم" عند حافّة الرصيف الممتدّ نحو الميدان. مسح بعينيه المشهد، كان المنظر بعيدًا كلّ البعد عن صخب المدينة المعتاد. أناس يصطفّون في خطّ طويل يمتدّ كأفعوان لا نهاية له، يقفون كتفًا إلى كتف، يلفح وجوههم زفير البرد، بلا حركة تذكر كانوا، وبصمت مربك لا تقطعه أيّ زفرة ولا أيّ كلمة.
اقترب "أبو سليم" من الشابّ "فتحي" الذي كان يتكئ على جدار إسمنتيّ هرم، يراقب المشهد بعينيْن تسكنهما الحيرة والعجز.
أمسك "أبو سليم" بذراع "فتحي" برفق، وقال بصوت يملؤه التساؤل: "ما هذا الاصطفاف الطويل يا "فتحي" أهو طابور خبز"؟
نظر إليه "فتحي" نظرة باردة، وردّ بكلمة واحدة: ـ "لا"!
هز "أبو سليم" رأسه، ثمّ أردف يمسح جبينه الذي احتلّته التجاعيد: "إذًا دواء؟ فالمرضى يملأون البيوت، والمستشفيات بلا أسرّة".
شخص "فتحي" ببصره نحو الصفّ الممتدّ، وقال بنبرة خالية من المشاعر: "لا"!
ضاقت عينا "أبي سليم"، ومال نحوه قليلا: "ربّما تسجيل للوظائف إذًا؟ فالشباب بلا عمل، والوعود كثيرة كالعادة".
أجاب "فتحي" بلهجة جافّة: "لا"!
تنهّد "أبو سليم" وأشار بيده نحو جمع الناس الكثيف: "تصويت! لعلّهم ينتخبون من سيخيّب آمالهم هذه المرّة أيضا"؟
اكتفى فتحي بهزّ رأسه نفيًا: "لا"!
بدأ القلق يتسرّب إلى نبرات الشيخ، فقال بحدّة خفيفة: "احتجاج إذًا! فالأصوات المختنقة لا بدّ أن تجد ما تصرخ ممّا يؤلمها ويخنقها"!
قاطعه "فتحي" بالصمت نفسه، ثمّ نطق: "لا"!
خفت صوت "أبي سليم"، وتراجعت نبرته الشجاعة وحلّت محلّها رجفة خفيّة، حين ارتاب من السكنات العجيبة التي تلفّع المكان: "هل هو توزيع قرارات جديدة، قوانين تشدّد الخناق، أم ضرائب جديدة تفرض باسْم الوطن"؟
هزّ "فتحي" رأسه للمرّة الأخيرة: "لا"!
تنفّس "أبو سليم" بعمق كمن يستجدي الهواء، ثمّ ألقى بتساؤله المجروح: "إذًا ما الذي ينتظرونه! ماذا بقي لم نقف لأجله في هذه الحياة"؟
اقترب "فتحي" مترًا إضافيًّا، حتّى كاد نفَسه يلامس أذن "أبي سليم"، وهمس كمن يخشى أن تسقط الكلمات على الأرض فتحدّث دويًّا: "ينتظرون دورهم… لتسليم أصواتهم".
اتّسعت حدقتا "أبي سليم" ذهولًا، وقال مشدوهًا: "لمن"؟!
أجابه "فتحي" وعيناه معلّقتان بالرجل الأخير في الطابور: "للصمت".
ارتجفت شفتا "أبي سليم": "وكيف يُسلّم الصوت"؟
أسبل "فتحي" جفنيْه وقال بمرارة: "حين يطول الانتظار، ويتعوّد الناس الوقوف في الظلام، ينسون كيف تقال "لا". اليوم هو اليوم الأخير… وبعده، لا حاجة للطوابير أبدا، فالكلّ سيكون قد سلّم حنجرته".
نظر "أبو سليم" مرّة أخرى إلى الساحة. كانت الشفاه مغلقة بإتقان كأنّما أُحكمت بأقفال من حديد، والأعين شاخصة نحو الفراغ. لم يكن هناك حرس، ولا سلاسل، كان الخوف وحده هو الراعي الأمين.
تراجع "أبو سليم" خطوة تلو خطوة أخرى. أدرك أنّ بقاءه في هذا المكان يعني انضمامه المحتوم للسطر الأخير.
ومع انسحابه البطيء، غشيه رعب خانق نبع من أعماق أعماقه… وخاف، وخفت أنا أيضًا، حين نظرت إلى صفحات هذه القصّة، وتساءلت: "أين يقف صوتي الآن"؟