كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

الإنساني في كتابة الذاكرة- مع كتاب "وجوه في الذاكرة" للكاتب ناجي ظاهر

جمال للاوي · 16/10/2026 الساعة 20:49

لا تكتمل الكتابة عن الذاكرة بمجرد تسجيل الأحداث والتواريخ، أو استعادة أسماء الشخصيات التي عبرت حياتنا، وإنما تكتسب معناها العميق عندما تستطيع أن تعيد إلى الإنسان حضوره، وأن تكشف عن مشاعره وأحلامه ومخاوفه وعلاقاته بالآخرين. فالذاكرة، في جوهرها، ليست مستودعًا باردًا للمعلومات، بل مساحة حية تتداخل فيها المحبة والفقد والوفاء والندم والأمل، وتتجدد فيها حياة الأشخاص الذين غابوا، من خلال ما تركوه في نفوس من عرفوهم.

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى كتاب "وجوه في الذاكرة" للكاتب ناجي ظاهر بوصفه محاولة لاستعادة الإنسان من وراء الاسم، والأديب من وراء مؤلفاته، والصديق من وراء صورته العامة. فالكاتب لا يكتفي بالتعريف بالشخصيات الأدبية التي عرفها، ولا يسرد إنجازاتها الثقافية بصورة جافة، بل يستعيد علاقاته بها، ومواقفه معها، والحوارات التي جمعته بها، والمشاعر التي رافقت تلك العلاقات. وهكذا تتحول الكتابة من مجرد توثيق للسيرة إلى فعل إنساني يعيد وصل الحاضر بالماضي، والأحياء بالراحلين.

الإنسان وراء الأديب

يتجلى هذا البعد بوضوح في حديث ناجي ظاهر عن الشاعر والروائي حسين فاعور. فبدل أن يقتصر على تعداد مؤلفاته أو الحديث عن مكانته الأدبية، يستعيد علاقته به منذ سبعينيات القرن الماضي، ويتوقف عند فترة غيابه الطويل عن الساحة الأدبية، ثم عودته إلى الكتابة واندفاعه نحو الإبداع في سنواته الأخيرة.

ومن خلال هذه الحكاية، نرى الإنسان الذي لم يتخلَّ عن علاقته بالأدب، والذي عاد إلى الكتابة بعد انقطاع طويل، وكأنه يحاول استدراك الزمن واستعادة ما فاته. ويبرز الجانب الإنساني أيضًا في رواية ظاهر عن العملية الجراحية الخطيرة التي خضع لها فاعور، حين جاء لزيارته قائلًا إنه ربما جاء ليودعه، ثم عاد بعد نجاح العملية متفائلًا، مؤمنًا بأنه حصل على عمر جديد.

إن هذه اللحظة تتجاوز حدود الخبر الشخصي؛ لأنها تكشف هشاشة الحياة الإنسانية، وكيف يمكن للإنسان أن يقف فجأة أمام احتمال النهاية، ثم يعود إلى الحياة حاملًا رغبة أكبر في مواصلة ما يحب. وعندما يروي ظاهر لاحقًا خبر وفاة صديقه، يصبح السرد محمّلًا بإحساس الفقد، لا لأن مبدعًا قد رحل فحسب، بل لأن علاقة إنسانية عميقة انقطعت، ولأن أحلامًا ومشروعات بقيت بحاجة إلى من يحملها إلى الأمام.

الوفاء بوصفه فعلًا إنسانيًا

من أعمق مظاهر البعد الإنساني في الكتاب أن الوفاء للراحلين لا يظل شعورًا داخليًا أو كلمات تقال في مجالس العزاء، بل يتحول إلى عمل ملموس. فبعد رحيل حسين فاعور، يسعى ناجي ظاهر إلى التعاون مع عائلته من أجل نشر ما بقي من تراثه الأدبي، ويشرف على إصدار مجموعة شعرية أعدها الراحل للنشر، ثم يعمل على إيصال روايتيه «صاحب الجبل» و«نادية» إلى ناشر.

إن هذا الموقف يكشف أن العلاقة بين الأصدقاء لا تنتهي بالغياب الجسدي؛ إذ يمكن أن تستمر في صورة مسؤولية أخلاقية تجاه ما تركه الراحل من أحلام وإبداعات. فالوفاء هنا ليس مجرد حنين إلى الماضي، وإنما محاولة لإنقاذ جزء من حياة الإنسان من الضياع.

ومن هذه الزاوية، تصبح كتابة الذاكرة نوعًا من الاعتراف بفضل الآخرين، وإقرارًا بأن الإنسان لا يصنع تجربته وحده، بل يسهم في تشكيلها أشخاص أحبهم، أو اختلف معهم، أو تعلم منهم، أو شاركهم طريق الإبداع.

الاختلاف في الرأي لا يلغي المحبة

ويبرز البعد الإنساني كذلك في استعادة الكاتب ناجي ظاهر علاقته بميشيل حداد وطه محمد علي، ولا سيما في النقاشات التي دارت بينهم حول قصيدة النثر. فقد كان ظاهر متحفظًا على هذا الاتجاه في بداياته، في حين أبدى حداد حماسه له، وسانده طه محمد علي.

تكمن أهمية هذه الذكريات في أن الكاتب لا يخفي اختلافه مع أصدقائه، ولا يحاول إعادة صياغة الماضي بحيث يبدو الجميع متفقين. بل يقدم الخلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة الثقافية، ويؤكد أن اختلاف الرأي لم يفسد الود بينهم.

وهنا تتجلى قيمة إنسانية وثقافية مهمة: فالصداقة الحقيقية لا تتطلب التطابق في الأفكار، كما أن الحوار لا يفقد قيمته بسبب الاختلاف. وقد يكون الاختلاف نفسه وسيلة لتطوير الوعي، وتوسيع المعرفة، واكتشاف آفاق جديدة في الأدب.

وبذلك لا تحفظ الذاكرة أسماء الأدباء وأعمالهم فحسب، بل تحفظ أيضًا الطريقة التي عاشوا بها معًا، وكيف ناقشوا وتجادلوا وتبادلوا الآراء، وظلوا قادرين على صيانة علاقاتهم الإنسانية رغم تباين مواقفهم.

من الحزن الشخصي إلى الذاكرة الجماعية

إن ما يمنح هذه الذكريات قيمتها الأوسع هو قدرتها على الانتقال من التجربة الفردية إلى المعنى الجماعي. فعندما يتحدث الكاتب ناجي ظاهر عن أصدقائه الراحلين، فإنه لا يروي حزنًا خاصًا به وحده، بل يقدم للقارئ تجربة إنسانية يمكن أن يتعرف فيها إلى معنى الصداقة، وألم الفقد، ومسؤولية الوفاء، والخوف من ضياع ما أنجزه الإنسان.

كما أن استعادة اللقاءات الأدبية والمجالس الثقافية ومشروعات النشر تمنح القارئ صورة عن الحياة الثقافية الفلسطينية، لا بوصفها مجموعة من الإنجازات المجردة، بل بوصفها حياة بشرية نابضة صنعتها العلاقات والتعاون والاختلاف والتضحيات.

وهكذا تصبح الذاكرة الفردية جسرًا يصل التجربة الشخصية بتاريخ المجتمع. فما يتذكره الكاتب عن صديق بعينه قد يكشف عن مشكلة واجهت جيلًا كاملًا من الأدباء، وما يرويه عن لقاء في مقهى أو حانوت قد يعيد بناء مشهد ثقافي أسهم في تشكيل الأدب الفلسطيني المحلي.

خاتمة

إن البعد الإنساني في كتابة الذاكرة عند الكاتب ناجي ظاهر يتمثل في قدرته على رؤية الإنسان وراء إنجازاته، وعلى تحويل استعادة الماضي إلى فعل من أفعال الوفاء والاعتراف والمحبة. فالأشخاص الذين يكتب عنهم ليسوا مجرد أسماء استقرت في صفحات التاريخ، بل بشر عاشوا وحلموا وأحبوا واختلفوا، وتركوا آثارًا تستحق أن تبقى.

ومن هنا، فإن الكتابة عن الراحلين لا تعيد إليهم الحياة بمعناها الجسدي، لكنها تعيد إليهم حضورهم في الوعي، وتحفظ شيئًا من أصواتهم وأفكارهم ومواقفهم، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى تجاربهم.

فالذاكرة الإنسانية الحقيقية لا تحفظ ما فعله الناس فقط، بل تحفظ أيضًا ما كانوا عليه، وما منحوه للآخرين، وما بقي منهم في قلوب من عرفوهم.

جمال للاوي
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع