إهمال الطفولة جريمة بحق المستقبل- كيف نربي جيلًا سليما ومتوازنا، ونحن لا نعرف كيف نربي أطفالنا؟
للأسف الشديد، تعاني مجتمعاتنا العربية، من المحيط إلى الخليج، ومن بينها مجتمعنا العربي الفلسطيني، نقصا واضحا في الوعي بأساليب التربية السليمة، سواء لدى الآباء والأمهات أو لدى بعض العاملين والعاملات في الحضانات ورياض الأطفال والمدارس الابتدائية.
نشاهد أمهات وآباء يصرخون في وجوه أطفالهم، ونسمع كلمات جارحة تُقال لهم دون إدراك لحجم الأذى الذي قد تتركه في نفوسهم. ونشاهد أحيانا معلمين ومعلمات يستخدمون التوبيخ والإهانة لتلاميذ صغار بدلا من الصبر والتوجيه والحوار والمحبة والاحترام والدعم النفسي والمعنوي لشخصية الطفل . وكأن الطفل إنسان بالغ يستطيع فهم كل شيء، لا إنسان صغير يحتاج إلى الحب والأمان والاحتواء والتربية الواعية.
إن السنوات الأولى من حياة الطفل مرحلة أساسية في بناء شخصيته، وتكوين ثقته بنفسه، وتعلّمه كيفية التعامل مع الآخرين. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها العنف والإهمال قد يحمل آثار هذه التجارب معه إلى مراحل لاحقة من حياته، وقد يتحول ما يتعرض له من قسوة إلى سلوك يمارسه على الآخرين.
لا يجوز أن نطالب أطفالنا بالاحترام ونحن نهينهم، ولا أن نطالبهم بالهدوء ونحن نصرخ في وجوههم، ولا أن نلومهم على سلوكيات لم نكلف أنفسنا عناء فهم أسبابها.
إن التربية ليست ضربا ولا صراخا ولا تخويفا، بل مسؤولية تحتاج إلى العلم والصبر والحكمة. ومن لا يمتلك المعرفة الكافية للتعامل مع الطفل، فعليه أن يتعلم؛ لأن حسن النية وحده لا يكفي لبناء شخصية طفل سليمة.
ومن هنا، أدعو إلى إطلاق برامج تربوية جدية لتوعية الآباء والأمهات، وتأهيل العاملين في الحضانات ورياض الأطفال والمدارس الابتدائية، وتعليمهم أساليب التعامل مع المراحل العمرية المختلفة، وحماية الأطفال من العنف الجسدي واللفظي والنفسي.
إن مسؤولية تربية جيل صالح لا تقع على الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع كله، بما يشمل المدارس والمؤسسات التربوية والاجتماعية والجهات الرسمية.
يا أبناء أمتنا العربية، لا تستهينوا بمرحلة الطفولة؛ فالطفل الذي نهمله اليوم قد يدفع المجتمع ثمن إهماله غدا.
إن بناء الأوطان لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ ببناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من طفولته. فلنحسن تربية أطفالنا، ولنمنحهم الحب والأمان والتوجيه السليم والرعاية والاهتمام ، حتى ننشئ جيلا واعيا ومتوازنا وقادرا على خدمة مجتمعه والمساهمة في نهضته.
أطفالنا ليسوا ملكا لنا لنعاملهم كما نشاء؛ إنهم أمانة، ومستقبل الأمة يبدأ من الطريقة التي نعاملهم بها اليوم.