السعودية واليمن.. أخوة الجوار ومسؤولية المصير
لم تكن المملكة العربية السعودية واليمن يومًا مجرد دولتين متجاورتين، فالعلاقة بين البلدين أعمق من حدود الجغرافيا، وتمتد إلى التاريخ والروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة. ولذلك فإن ما يمر به اليمن اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا داخليًا منفصلًا عن محيطه العربي والإقليمي.
يدخل اليمن مرحلة دقيقة في ظل استمرار التصعيد العسكري، ولا سيما في عدد من الجبهات بمحافظتي تعز ولحج والمناطق القريبة من باب المندب. وتشير التقارير الأخيرة إلى مواجهات ومحاولات تقدم عسكري في هذه المناطق، الأمر الذي يعيد التأكيد على حساسية الموقع الجغرافي لليمن وأهمية أمن الممرات البحرية في المنطقة.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على أمن اليمن واستقراره لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسؤولية يمنية منفردة، فاليمن جزء أصيل من شبه الجزيرة العربية، وما يحدث فيه يمكن أن تكون له انعكاسات على أمن دول الخليج وحركة التجارة والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وفي هذا السياق، برز الدور السعودي خلال سنوات الأزمة اليمنية في دعم الحكومة اليمنية، إلى جانب تقديم أشكال مختلفة من الدعم الاقتصادي والإنساني والتنموي. وفي عام 2026، أعلنت المملكة تقديم دعم للموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب، كما وقّعت اتفاقية بقيمة 150 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء وتوفير المشتقات النفطية.
ولا يقتصر التعامل مع الأزمة اليمنية على الجانب العسكري، فالتحديات الاقتصادية والإنسانية تمثل جزءًا أساسيًا من المشهد. ولذلك فإن دعم مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، ومساندة الاقتصاد، إلى جانب الجهود السياسية، كلها مسارات مترابطة في طريق الوصول إلى الاستقرار.
إن المرحلة الراهنة تستدعي مزيدًا من التنسيق والتعاون بين اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي، ليس بهدف تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة، وإنما لدعم الاستقرار وحماية المصالح المشتركة، ومساندة أي مسار سياسي جاد يمكن أن يقود إلى سلام مستدام.
كما أن للمجتمع العربي والدولي مسؤولية في التعامل مع التطورات اليمنية، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الملاحة البحرية واحترام سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه. وقد أكدت المملكة في مواقف رسمية حديثة دعمها للحكومة اليمنية ولجهود الأمم المتحدة الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة.
وفي هذه الظروف، تظل العلاقة بين السعودية واليمن أكبر من أن تختزل في موقف سياسي أو ظرف أمني عابر. إنها علاقة جوار ومصالح وتاريخ مشترك، ومن مصلحة الطرفين أن تبقى هذه العلاقة قائمة على التعاون والاحترام المتبادل ودعم الاستقرار.
وفي الختام، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، على ما قدمته المملكة من دعم للشعب اليمني وحكومته خلال السنوات الماضية، وعلى ما أعلنته من استمرار دعمها للجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار.
كما نقدر مواقف الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الداعمة لليمن، ونأمل أن تتضافر الجهود في هذه المرحلة الحساسة من أجل حماية اليمن من مزيد من الانقسام، وتهيئة الظروف لسلام شامل يعيد للدولة اليمنية قدرتها على القيام بدورها، ويحفظ أمن المنطقة ومصالح شعوبها.
فاستقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فقط، كما أن أمن البحر الأحمر وباب المندب ليس قضية تخص دولة واحدة؛ إنها مسؤولية ومصلحة مشتركة، وكل خطوة باتجاه السلام والاستقرار في اليمن هي خطوة باتجاه منطقة أكثر أمنًا واستقرارًا.