ستة أشهر من الغموض: أين شباب النقب الثلاثة المحتجزون في مصر؟
منذ نحو ستة أشهر تعيش ثلاث عائلات من بدو النقب حالة لا يمكن وصفها إلا بالانتظار المؤلم. أبناؤها الثلاثة، بلال حسن مسعودين الوليدي، وبلال سلام الأفشق، وأحمد عودة الدوجي، توجهوا إلى مصر في شهر آذار/مارس 2026، ثم انقطع الاتصال بهم بصورة كاملة. وتشير التقارير المنشورة مؤخرًا إلى أنهم محتجزون لدى السلطات المصرية.
لكن السؤال الذي يزداد إلحاحًا يومًا بعد يوم هو: لماذا تم اعتقالهم؟ وأين هم؟ وما هي التهم الموجهة إليهم؟ ولماذا يستمر هذا الغموض بعد مرور نصف عام؟
وفق التقارير الإعلامية، كان الشبان في رحلة إلى شرم الشيخ، وتم توقيفهم أثناء عودتهم باتجاه معبر طابا في آذار الماضي. ومنذ لحظة توقيفهم انقطع الاتصال المباشر بينهم وبين عائلاتهم. وتوجد اختلافات في بعض التفاصيل المنشورة حول ظروف ومكان التوقيف، ولذلك يجب انتظار بيان رسمي أو معلومات موثقة لحسمها.
الأكثر إثارة للقلق أن عائلات الشبان ووزارة الخارجية الإسرائيلية، بحسب التقارير المنشورة، لم تحصل حتى الآن على معلومات رسمية كافية توضح بصورة كاملة أين يُحتجز الشبان، وما وضعهم القانوني، وما طبيعة الإجراءات المتخذة بحقهم. وقد ذكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها توجهت إلى السلطات المصرية للحصول على معلومات رسمية، لكنها لم تحصل على رد رسمي مُرضٍ أو كافٍ.
كما نُقلت معلومات إلى العائلات تفيد بأن القضية لا تتعلق بمخالفة جنائية عادية، وإنما بأمور مرتبطة بما وُصف بالامن القومي المصري !! ولكن حتى اليوم، لا توجد معلومات علنية كافية تحدد ما المقصود بذلك، وما الأفعال المنسوبة إلى الشبان، أو ما إذا كانت قد وُجهت إليهم اتهامات رسمية.
وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة القانونية والإنسانية الصعبة.
إذا كان الشبان مشتبهًا بهم في قضية أمنية، فما هي طبيعة الشبهات؟
هل عُرضوا على جهة قضائية؟
هل صدرت بحقهم أوامر توقيف أو تمديد اعتقال؟
هل تم التحقيق معهم ؟
هل تم تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم؟
وما هي حالتهم الصحية وظروف احتجازهم بعد مرور كل هذه الأشهر؟
هذه الأسئلة لا تعني التدخل في حق مصر في حماية أمنها القومي أو في تطبيق قوانينها داخل أراضيها. فمن حق كل دولة التحقيق في أي واقعة ترى أنها تمس أمنها وفق قوانينها.
لكن الأمن القومي لا ينبغي أن يعني غياب المعلومات إلى أجل غير معلوم.
إذا ارتكب الشبان مخالفة أو جريمة، فمن حق السلطات المختصة التحقيق معهم وفق القانون، وفي المقابل يجب أن يكون هناك مسار قانوني واضح: معرفة أساس الاحتجاز، وإتاحة الدفاع القانوني، وتمكين العائلات والجهات القنصلية من الحصول على المعلومات التي يسمح بها القانون.
أما بقاء ثلاث عائلات طوال ستة أشهر لا تعرف بصورة واضحة أين أبناؤها، وما هي التهم المنسوبة إليهم، ومتى ستتضح أوضاعهم القانونية، فهو وضع يستدعي معالجة عاجلة وشفافة.
هناك أيضًا مسؤولية على الجهات الإسرائيلية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، في بذل جهد قنصلي ودبلوماسي جدي للحصول على إجابات واضحة بشأن مواطنين موجودين في دولة أجنبية.
بعد ستة أشهر، لم تعد عبارة «نحن نتابع القضية» وحدها كافية بالنسبة لعائلات تنتظر أبناءها.
المطلوب اليوم ليس الدخول في مواجهة سياسية مع مصر، ولا إطلاق اتهامات لا تستند إلى أدلة. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: كشف الحقيقه .
وإذا كانت هناك قضية أمنية حقيقية، فلتُعالج وفق القانون وبالإجراءات القانونية الواضحة. وإذا لم توجد أسباب قانونية تبرر استمرار احتجازهم، فيجب العمل على إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى عائلاتهم.
بعد ستة أشهر، من حق العائلات أن تعرف الحقيقة، ومن حق الشبان أن يعرفوا بصورة واضحة لماذا هم محتجزون وما هو مصيرهم !