كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

بين الحرب والمنفى والسلام.. لماذا تحتاج الإنسانية إلى ممرات آمنة؟

سارة محمد مرزوڨي · 29/09/2026 الساعة 13:13

في عالم تتّسع فيه خرائط الحرب أكثر مما تتسع فيه خرائط الأمان، يصبح فتح ممر آمن أمام إنسان هارب من الموت أكثر من مجرد إجراء إداري. يصبح اعترافا بسيطا بأن للحياة قيمة، وأن الإنسان لا ينبغي أن يدفع وحده ثمن حرب لم يخترها.

من هنا تبدو الخطوة البريطانية الأخيرة بإعادة فتح برنامج إعادة التوطين للاجئين ذات دلالة تتجاوز تفاصيل السياسة والهجرة. فقد أعلنت الحكومة البريطانية في 28 سبتمبر إعادة فتح برنامج إعادة التوطين البريطاني لإحالات جديدة، مع تخصيص جزء متوقع من الإحالات للنساء والفتيات الأفغانيات واللاجئين الفلسطينيين، بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وشركاء دوليين. كما أعلنت عن مسارات آمنة وقانونية جديدة تتيح للمجتمعات والجامعات والشركات المشاركة في استقبال اللاجئين ودعمهم.

قد تبدو الأرقام في لغة السياسة محدودة، لكن خلف كل رقم إنسان له اسم ووجه وذاكرة وبيت كان يظن يوما أنه سيعود إليه. اللاجئ ليس رقما في جدول الهجرة، ولا عبئا إحصائيا، ولا صورة عابرة في نشرات الأخبار. إنه إنسان انتزعته الحرب من مكانه، ثم وجد نفسه مضطرا إلى البحث عن مكان آخر يستطيع فيه أن يعيش دون أن يخشى الغد.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

فالسلام لا يصنع فقط على طاولات المفاوضات، ولا يولد دائما من توقيع اتفاقيات بين الدول. أحيانا يبدأ السلام من مكان أكثر بساطة: من طفل يذهب إلى المدرسة دون خوف، ومن أم تنام وهي تعرف أن أبناءها في أمان، ومن أب يستطيع أن يبحث عن عمل بدلا من البحث عن طريق للنجاة.

إن منح الإنسان فرصة لحياة كريمة لا يعني فقط إنقاذه من الخطر المباشر، بل قد يعني أيضا قطع الطريق أمام اليأس الذي تصنعه الحروب الطويلة. فحين يعيش الإنسان سنوات في الخوف والفقر والإقصاء وانسداد الأفق، فإن الخطر لا يبقى محصورا في حدود المأساة الإنسانية؛ إذ يمكن أن تتحول مشاعر العجز والحرمان إلى وقود لمزيد من العنف والتطرف.

وهذا لا يعني أن اللاجئ مشروع متطرف، بل العكس تماما: إن حماية اللاجئ من الظروف التي تنتج اليأس هي جزء من حماية المجتمعات نفسها من تداعيات تلك الظروف.

لذلك فإن الممرات الآمنة ليست مجرد أبواب للهجرة، بل يمكن النظر إليها كجسور بين عالمين: عالم أنهكته الحرب، وعالم يستطيع أن يمنح الناجين فرصة لإعادة بناء حياتهم. وكلما كانت هذه الجسور منظمة وقانونية وخاضعة للرقابة، تراجعت الحاجة إلى طرق خطرة تستغل خوف البشر وحاجتهم.

لكن المسؤولية لا تقع على الدول المستقبلة وحدها. فالعالم الذي يريد تقليل موجات اللجوء لا يستطيع أن يكتفي بإدارة نتائج الحروب، بينما يترك أسبابها تتكاثر. لا يمكن أن يكون الحل الدائم هو نقل الضحايا من مكان إلى آخر؛ الحل الأعمق هو وقف الحروب، وحماية المدنيين، وإعادة بناء الدول التي دمرتها الصراعات، وخلق ظروف تسمح للإنسان بالعودة إلى وطنه إن أراد.

ومع ذلك، فإن السلام الكبير يبدأ أحيانا بخطوة صغيرة.

أن تفتح دولة بابا آمنا أمام إنسان مهدد، أن تمنحه سقفا ومدرسة وفرصة للعمل، أن تعيد إليه شيئا من كرامته التي سلبتها الحرب، فذلك ليس عملا خيريا فحسب. إنه استثمار في الإنسان، وفي الاستقرار، وفي المستقبل.

فالحروب قد تهدم البيوت في ساعات، لكنها تحتاج إلى سنوات كي تعيد بناء الإنسان.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس: كم لاجئا تستطيع الدول أن تستقبل؟

بل: كم إنسانا يستطيع العالم أن ينقذ قبل أن يصبح اليأس وطنه الوحيد؟

بين الحرب والمنفى والسلام، تظل الممرات الآمنة واحدة من الطرق التي يمكن للإنسانية أن تقول بها إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تستحق أن تُحمى.

 

 

الحرب والمنفىالسلامالممرّات الإنسانيّةالإنسانيّة
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع