كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

قبل أن يصل الصوت إلى الصندوق- في معركة الشطب: من يقرر حدود الاختيار السياسي؟

رانية مرجية · 25/09/2026 الساعة 11:33

ثمة لحظة في كل انتخابات يفترض أن تكون شديدة البساطة: يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع، ينظر إلى أسماء القوائم، يختار من يراه أهلًا لتمثيله، ثم يعود إلى حياته.

لكن ماذا يحدث عندما تبدأ المعركة قبل أن يصل الناخب إلى الصندوق؟

ماذا يحدث عندما لا يعود السؤال: من سيحصل على صوت الناخب؟ بل يصبح: من سيُسمح له أصلًا بأن يطلب هذا الصوت؟

هنا لا نتحدث فقط عن منافسة انتخابية، بل عن الحدود التي تُرسم للمشاركة السياسية نفسها.

في 23 أيلول/سبتمبر، صادقت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية على شطب القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة من خوض انتخابات الكنيست المقبلة، إلى جانب شطب ترشح سامي أبو شحادة وعوفر كسيف. وجاء قرار شطب كل من الموحدة والمشتركة بأغلبية 18 عضوًا مقابل 5، مع امتناع عضو واحد في قرار الموحدة. لكن هذه القرارات ليست نهائية، إذ تخضع للمراجعة أمام المحكمة العليا.

الأرقام مهمة، لكن الأهم هو السؤال الذي تفتحه:

متى يكون الشطب أداة قانونية استثنائية، ومتى يتحول إلى جزء من الصراع السياسي نفسه؟

ليست المشكلة أن تخسر
هناك فارق جوهري بين أن تخسر قائمة في الانتخابات، وبين أن تُمنع من خوضها.

الخسارة الانتخابية تعني أن الناخب قال كلمته.

أما الشطب، إذا بقي نافذًا، فيعني أن الناخب لن يجد تلك القائمة أصلًا على ورقة الاقتراع.

وهذا الفارق ليس تفصيلًا تقنيًا. إنه يمس جوهر العملية الديمقراطية: هل تُترك المنافسة السياسية لصندوق الاقتراع، أم يجري حسم جزء منها قبل الوصول إليه؟

لا يعني ذلك أن حق الترشح مطلق، ولا أن أي قائمة أو مرشح فوق القانون. هناك قواعد قانونية تحدد شروط الترشح، ويمكن أن تكون هناك حالات تستدعي تطبيقها.

لكن كلما كان الإجراء أكثر تأثيرًا في حرمان الناخب من خيار سياسي، وجب أن تكون معاييره أكثر وضوحًا، وأدلته أكثر قوة، وتطبيقه أكثر انضباطًا.

وهنا تحديدًا تكمن حساسية اللحظة الحالية.

القانون ليس تفصيلًا… لكنه أيضًا ليس ستارًا
القوائم العربية التي شملها قرار الشطب، ومن يمثلها قانونيًا، تقول إن جزءًا كبيرًا من الأدلة التي استندت إليها طلبات الشطب يعود إلى مواقف ومواد قديمة سبق تداولها ومناقشتها في مراحل انتخابية وقضائية سابقة، وإنها لا ترى فيها ما يكفي لإثبات تحقق الشروط القانونية للشطب.

هذه مواقف ودفوع مقدمة من الجهات المعنية، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا.

وهنا يجب الحفاظ على فارق أساسي كثيرًا ما يضيع في الخطاب السياسي: هناك فرق بين ما تدعيه جهة ما، وما تقرره لجنة الانتخابات، وما تحسمه المحكمة.

المحكمة العليا هي التي ستضع الكلمة القانونية الأخيرة في هذه المرحلة، ولذلك فإن تحويل قرار لجنة الانتخابات إلى حقيقة قانونية مكتملة قبل انتهاء المسار القضائي سيكون قفزًا على النتيجة.

لكن المسألة لا تتوقف عند المحكمة.

لأن السؤال السياسي الذي تطرحه واقعة الشطب أوسع من القرار نفسه:

ما مقدار المساحة التي ينبغي أن تبقى مفتوحة أمام الاختلاف السياسي داخل النظام الديمقراطي؟

عندما يصبح الاستثناء جزءًا من المشهد
الشطب، بطبيعته، ليس مجرد إجراء انتخابي عادي.

إنه إجراء يقطع الطريق أمام الناخب قبل أن يمارس اختياره.

ولهذا، فإن المسألة لا تتعلق فقط بقرار واحد، بل بما إذا كانت فكرة الشطب نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة مألوفة في كل دورة انتخابية، وأن تصبح المنافسة السياسية سباقًا لإخراج الخصم من المشهد بدلًا من إقناع الناخب بالتوجه إليه.

حينها تتغير قواعد اللعبة.

بدل أن تقول الأحزاب للناخب: صوّتوا لنا لأننا نملك مشروعًا أفضل، يصبح السؤال: كيف نمنع الآخرين من الوصول إلى الناخب؟

والديمقراطية التي تتحول فيها المنافسة إلى سباق لإغلاق الأبواب أمام الخصوم، تفقد شيئًا أساسيًا من معناها، حتى لو جرت الإجراءات داخل مؤسسات رسمية.

لكن الخارج ليس شماعة لكل شيء
مع ذلك، سيكون من السهل جدًا أن نضع كل المسؤولية خارج البيت.

فإذا كان الشطب يثير أسئلة حقيقية حول حدود المشاركة السياسية، فإن الأحزاب العربية نفسها مطالبة بمواجهة أسئلة لا تقل صعوبة.

لماذا بقي التمثيل السياسي العربي هشًا أمام الانقسامات؟

لماذا تتكرر أزمات الوحدة، ثم تعود القوى نفسها إلى الحديث عن ضرورة التكاتف عندما تشتد المخاطر؟

ولماذا يجد المواطن نفسه أحيانًا أمام خطاب سياسي منشغل بالخلافات الداخلية أكثر من انشغاله بالأسئلة اليومية التي تحدد حياته؟

الجريمة والعنف، السكن، التعليم، التشغيل، السلطات المحلية، الفقر، التخطيط، ومستقبل الأجيال الشابة… هذه ليست هوامش في السياسة العربية.

هذه هي السياسة نفسها.

والناخب العربي لا يحتاج إلى من يشرح له فقط لماذا يجب أن يخاف من خسارة تمثيله؛ بل يحتاج أيضًا إلى من يشرح له ماذا سيفعل بهذا التمثيل عندما يحصل عليه.

الوحدة ليست صورة جماعية
ربما تكون إحدى أكثر الكلمات استخدامًا في السياسة العربية هي «الوحدة».

لكن الوحدة لا تعني أن تتفق الأحزاب على كل شيء.

ولا تعني أن تختفي الخلافات الفكرية أو البرامجية.

بل ربما تكون الوحدة السياسية الناضجة هي القدرة على الاختلاف من دون تحويل الاختلاف إلى قطيعة، وعلى التنافس من دون هدم فكرة التمثيل الجماعي.

المجتمع العربي ليس كتلة سياسية واحدة.

فيه تيارات وأجيال وطبقات ومناطق وأولويات مختلفة.

ولا توجد قائمة تملك حق الادعاء بأنها تختصر هذا المجتمع كله.

لكن هذا التنوع لا ينبغي أن يكون ذريعة لتفتيت القدرة على التأثير السياسي.

المطلوب ليس وحدة الشعارات، بل تعددية تستطيع أن تتعايش.

المواطن ليس رقمًا انتخابيًا
في خضم الحديث عن الشطب، من السهل أن يتحول المواطن إلى رقم في معادلة المقاعد.

لكن وراء كل مقعد انتخابي آلاف الناس الذين ينتظرون نتائج ملموسة من ممثليهم.

المواطن الذي يعاني من الجريمة لا يريد معركة خطابية حول من يمثل العرب أكثر.

والشاب الذي لا يجد مسكنًا لا تعنيه كثيرًا هندسة التحالفات إذا لم تتحول إلى سياسة عامة.

والأم التي تخشى على مستقبل أبنائها تريد مدرسة أفضل، وفرصة عمل، وبيئة أكثر أمانًا، ومؤسسات أكثر كفاءة.

لهذا، فإن الدفاع عن المشاركة السياسية لا يجب أن يتحول إلى إعفاء الأحزاب من المساءلة.

من حق الجمهور أن يحمي حقه في التمثيل، ومن حقه أيضًا أن يحاسب من يمثله.

وهذان الحقان لا يتناقضان.

لا يكفي أن نقول: نحن نمثل العرب
التمثيل ليس ملكية.

ولا يمكن لأي حزب أن يقول: «أنا الجمهور».

الجمهور أكبر من الأحزاب، وأبقى منها، وأكثر تنوعًا.

ولهذا فإن أي حديث عن حماية التمثيل العربي يجب أن يرافقه سؤال آخر:

كيف نعيد بناء الثقة بين المواطن والسياسة؟

الثقة لا تُبنى فقط في موسم الانتخابات.

تبنى في العمل البرلماني، وفي السلطات المحلية، وفي التعامل مع قضايا الناس، وفي الشفافية، وفي القدرة على الاعتراف بالأخطاء.

وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من أزمة الشطب، فهو أن الدفاع عن وجود السياسة العربية لا ينفصل عن الحاجة إلى تطويرها.

من حق الحزب أن يخسر
قد تبدو هذه الجملة قاسية، لكنها ضرورية.

من حق أي حزب أن يخسر الانتخابات.

ومن حق الناخب أن يرفض برنامجه، وأن يختار منافسه، وأن يغيّر موقفه.

هذه هي طبيعة السياسة.

لكن الفرق كبير بين أن يخسر الحزب أمام الناخب، وبين أن يُمنع الناخب من الوصول إليه أصلًا.

الأولى نتيجة سياسية.

أما الثانية فهي مسألة قانونية ومؤسسية يجب أن تخضع لأعلى درجات التدقيق.

وفي المقابل، فإن رفض الشطب لا يعني منح أي حزب حصانة من النقد أو المساءلة.

الديمقراطية لا تحمي الأحزاب من الناخب؛ بل تحمي حق الناخب في أن يقرر، ضمن القواعد القانونية التي تحكم الانتخابات.

المحكمة قد تحسم القرار… لكنها لن تحسم الأزمة
قد تصدر المحكمة العليا قرارها في المرحلة المقبلة، وقد تلغي قرارات الشطب أو تؤيدها وفق ما تراه منطبقًا على القانون والأدلة.

وسيكون ذلك حسمًا قانونيًا مهمًا.

لكن أيًا كان القرار، فلن يحل وحده الأزمة السياسية الأعمق.

لأن السؤال سيبقى قائمًا:

كيف يمكن إدارة التعددية السياسية داخل مجتمع شديد الاستقطاب، من دون تحويل الانتخابات إلى معركة إقصاء متبادل؟

وكيف يمكن حماية قواعد المنافسة، من دون تحويل الحماية إلى غطاء لعدم المساءلة؟

وكيف يمكن للقوى العربية أن تدافع عن حقها في التمثيل، وفي الوقت نفسه أن تعيد تعريف معنى هذا التمثيل ومسؤوليته؟

هذه أسئلة لا تستطيع المحكمة وحدها الإجابة عنها.

الانتخابات ليست معركة بقاء دائمة
حين تعيش السياسة طويلًا تحت منطق الطوارئ، يصبح كل خلاف معركة وجود، وكل انتخابات معركة بقاء، وكل خصم خطرًا يجب إبعاده.

وهذا المنطق يستهلك المجتمع قبل أن يحميه.

السياسة تحتاج إلى شيء آخر: القدرة على التنافس، وعلى الاختلاف، وعلى الخسارة، ثم العودة إلى الصندوق مرة أخرى.

إذا أصبح كل موسم انتخابي مناسبة لإقصاء الآخر، فلن يبقى من الانتخابات إلا شكلها.

أما جوهرها، أي قدرة المواطن على الاختيار بين بدائل سياسية حقيقية، فسيتآكل تدريجيًا.

قبل أن يصل الصوت إلى الصندوق
ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس فقط: هل ستعود الموحدة والمشتركة إلى ورقة الاقتراع؟

السؤال الأعمق هو:

أي نوع من الديمقراطية نريد عندما نختلف؟

ديمقراطية لا تسمح إلا بالأصوات المقبولة؟

أم ديمقراطية تضع قواعد واضحة للمشاركة، وتطبقها بصرامة، وتترك للناخب مساحة واسعة للاختيار، وتحاسب السياسيين بعد ذلك عبر الصندوق؟

وفي الجانب العربي أيضًا، السؤال لا يقل أهمية:

هل سنكتفي بالدفاع عن حقنا في أن نكون موجودين، أم سننتقل إلى السؤال الأصعب: ماذا سنفعل بهذه المساحة عندما نحصل عليها؟

التمثيل السياسي ليس غاية في ذاته.

هو مسؤولية.

والانتخابات ليست فقط يومًا نضع فيه ورقة داخل صندوق.

إنها اختبار مستمر لعلاقة المواطن بممثليه، ولعلاقة الدولة بمواطنيها، ولقدرة المجتمع على إدارة خلافاته من دون أن يتحول الاختلاف إلى إقصاء.

قد تحسم المحكمة مصير قرارات الشطب.

وقد تتغير القوائم، والتحالفات، والنتائج.

لكن هناك شيئًا واحدًا يجب ألا يصبح عاديًا في السياسة:

أن يُحسم جزء من المنافسة قبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع.

لأن الديمقراطية لا تبدأ عند إعلان النتائج.

إنها تبدأ قبل ذلك بكثير… عند اللحظة التي يُسمح فيها للمواطن بأن يرى الخيارات أمامه، ثم يختار.

رانية مرجية
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع