كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

فلسفة الارتواء الداخلي: السعادة كحالة وجود لا كغاية تُنتظر!

نواف الطوري · 24/09/2026 الساعة 09:17

بقلم: د. نواف علي الطوري | رهط


أزمة المعنى وسؤال الوجود
تتجلى في العصر الحديث أزمة عميقة تعصف بالإنسان، عنوانها التيه وسط وفرة المادة وشح الطمأنينة؛ إذ تسوق الحضارة المادية المعاصرة الإنسان نحو أوهام الاستهلاك المطلق والتمحور الأناني حول الذات.
وحين نرصد هذه الظاهرة في سياقات عربية ذات خصوصية وجودية واشتباك يومي مع قضايا الهوية والبقاء، كما هي حال أهلنا في الداخل الفلسطيني (عرب 48)، تكتسب السعادة أبعادًا مركبة؛ فهي ليست مجرد رفاهية فردية عابرة، بل هي تجلٍّ عملي للثبات والارتباط بالجذور، ومعادلة دقيقة بين إعمار الأرض وتزكية النفوس في واقع يعج بالتحديات. من هنا برزت الحاجة إلى تأصيل مفاهيمي يحرر السعادة من أسر الغائية المادية، ليؤطرها في منظومة «الارتواء الداخلي» المستندة إلى الوحي الإسلامي.

أولًا: 
مفهوم السعادة في التصور الإسلامي: من التلقي إلى الوجود

لا يرتكز التصور الإسلامي للسعادة على اللحظات السطحية من اللذة الحسية، بل يرسيها بوصفها حالة وجودية مستقرة تنبع من انسجام الإنسان مع فطرته وغايته الكونية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.
* معنى الحياة الطيبة: لا تعني خلو الحياة من الابتلاء، بل القدرة على تجاوز الأكدار بمدد داخلي ويقين غائي.
* ثمرة عبودية اللحظة: حين تتحول السعادة من «غاية» نلهث خلفها إلى «حالة وجود» نعيش تفاصيلها في كل حركة ونيّة، يتحرر الإنسان من عبودية النتائج ليتفرغ لعبودية العمل الصالح.

ثانيًا: 
الواقع المعيش لعرب 48: جدلية الهوية والبقاء والتحدي

يقتضي هذا الفهم قراءة متأنية لواقع عرب 48، حيث يواجه الإنسان تحديات مزدوجة تتعلق بالحفاظ على الهوية والثبات على الأرض، إلى جانب التعقيدات المعيشية اليومية.
* ترابط المصير الفردي والجماعي: يفقد البحث عن السعادة الفردية بمعزل عن الجماعة معناه؛ فالاستقرار النفسي للفرد مرتبط بسلامة مجتمعه وكرامة أمته.
* طاقة التغيير: يتحول الالتزام برسالة الفكر والدعوة الإسلامية إلى «طاقة تغيير» و«مظلة أمان». فالصمود في وجه سياسات الطمس وتفكك النسيج المجتمعي يمثل أعلى درجات الجهاد النفسي، وهو المصدر الأعمق لارتواء الروح وطمأنينتها.

ثالثًا: 
هندسة التسخير الشامل: النفس والجهد والاقتصاد في خدمة الإنسان

تكتمل فلسفة الارتواء الداخلي بالتسخير الواعي لمقدرات الإنسان في خدمة المشروع الإنساني والدعوي، بوصفها أمانة استخلاف:
* تسخير النفس والروح: تطويع الأهواء وترويض النفس على البذل، لتوجيه البوصلة نحو رفع الظلم وتخفيف المعاناة، مما يورث انشراحًا صدريًا لا توازيه لذة مادية.
* تسخير الجهد والعلم: توظيف الطاقات الفكرية والعملية كأدوات اشتباك إيجابي لرفع وعي الناس وحل مشكلاتهم، ترجمةً لقول النبي ﷺ: «خير الناس أنفعهم للناس».
* تسخير الاقتصاد والمال: المال وسيلة لتحقيق الكرامة والتكافل، لا غاية تُكتنز، وتوظيفه لدعم مشاريع التنمية وتثبيت الهوية هو استثمار حقيقي في بناء مجتمع متراص.

رابعًا: 
المسؤولية المتعددة الأدوار: المفكر والشيخ والسياسي في خدمة الناس
تتأكد فاعلية هذا التسخير بتكامل الأدوار القيادية لخدمة الناس
 بالرحمة والعدل:

* الدور الفكري والشرعي: تفكيك الشبهات وبناء وعي راشد يربط الناشئة بأصولهم ويحصنهم ضد موجات الذوبان والانحراف.
* الدور العملي والسياسي والاجتماعي: توفير شبكات الأمان، والدفاع عن الحقوق، والعمل على تخفيف الأعباء المعيشية والنفسية عن الكواهل المثقلة بضغوط الحياة.
حين يدرك صاحب القرار أن قلمه أو منبره ليس سوى أداة لخدمة الإنسان المستخلف في الأرض، ينتقل من أفق التمركز حول الذات إلى أفق السعة والامتداد الإنساني.

خاتمة:
 نحو إنسان الطمأنينة والبناء
السعادة الحقيقية هي الرحلة نفسها حين تُخضَع لبوصلة المعنى والغاية.

 وبذلك، فإن استنهاض الطاقات، وتسخير الجهود والأموال والنفوس في خدمة الفكر والقيم، هو الطريق الأوحد لتحقيق السعادة كحالة وجودية راسخة. وبهذا يتحول الإنسان من مستهلك للأحداث إلى صانع للمعنى، ومن كائن يترقب السعادة إلى كائن يفيض بها على محيطه وأمته.

نواف الطوري
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع