لن أكافئ الفشل بصوتي
الشيخ فؤاد أنور أبو بكر
كلما اقتربت الانتخابات تبدلت لغة السياسيين قبل أن يتبدل واقع الناس فتفتح الأبواب المغلقة وتكثر الزيارات والابتسامات وتخرج الوعود القديمة من مخازنها بعد أن ينفضوا عنها غبار السنوات
لكنني هذه المرة لا أريد أن أسمع ماذا سيقولون بل أريد أن أعرف ماذا فعلوا.
مضى ثمانية وسبعون عاما منذ قيام هذه الدولة وتعاقبت الحكومات وتبدلت الأحزاب واتحدت القوائم ثم انقسمت وتغيرت الوجوه والأسماء وبقيت معاناة الناس في مكانها بل ازدادت قسوة واتساعا
فهل توقف هدم البيوت.
وهل اتسعت مسطحات البناء
وهل اعترفوا بالقرى المسلوبة من أبسط حقوقها
وهل أصبح الإنسان العربي أكثر أمنا في بيته وشارعه
وهل تراجعت العنصرية
وهل توقفت مصادرة الأرض
وهل نجا شبابنا من الرصاص والجريمة والفقر والبطالة
إن من يطلب صوتي مرة بعد مرة مطالب بأن يقدم لي كشف حساب لا نشرة انتخابية جديدة فالوعود لا تصبح إنجازات بمجرد تكرارها والخطابات الحماسية لا تبني بيتا ولا تحفظ أرضا ولا تعيد قتيلا إلى أمه.
لا أقول إن نائبا واحدا يستطيع تغيير كل شيء ولكنني أرفض أن يتحول العجز الدائم إلى حجة دائمة وأن يطلبوا منا مكافأتهم على الفشل كلما حان موعد الانتخابات.
صوتي ليس هدية موسمية ولا جائزة ترضية ولا رقما يضاف إلى مقاعدهم ثم ينسون صاحبه في صباح اليوم التالي..
لقد اخترت المقاطعة لا لأنني لا أبالي بما يجري بل لأنني أبالي ولا لأنني هارب من المسؤولية بل لأنني أرفض أن أشارك في تجديد الثقة بمن لم يثبت أنه يستحقها
وأقاطع حفاظا على قيمي ومبادئي وهويتي التي لا أقبل أن تتحول إلى ورقة تفاوض أو زينة في خطاب انتخابي فالهوية لا تصان بالشعارات والمبادئ لا تحميها الصفقات ولا أريد تمثيلا يحمل اسمي ثم يتخلى عني ولا مقعدا يتحدث بلغتي ثم يساوم على ثوابتي وكرامتي وانتمائي.
المقاطعة عندي ليست صمتا ولا كسلا ولا جلوسا على هامش الحياة وإنما هي عقوبة سياسية وسحب للثقة ورفض لأن أبقى جسرا يعبرون عليه إلى مقاعدهم ثم يهدمونه خلفهم.
ومنذ بداية الثمانينيات لم أمنح صوتي لأحد لأنني لم أر في هذه التجربة ما يقنعني بأن صوتي سيمنع ظلما أو يحفظ حقا أو يغير سياسة راسخة وكل انتخابات مرت أكدت لي أن الوجوه تتغير أما الطريق فيبقى هو الطريق نفسه.
يقولون لنا في كل مرة إن هذه أخطر انتخابات وإن المعركة هذه المرة مصيرية ثم تنتهي الانتخابات وتوزع المقاعد وتبدأ التحالفات وتبقى بيوتنا تحت التهديد وتبقى دماؤنا رخيصة وتعود القرى المنسية إلى عزلتها حتى يحتاجوا أصواتها من جديد.
فلماذا أكافئهم
ولماذا أعيد انتخاب التجربة نفسها ثم أنتظر منها نتيجة مختلفة
ولماذا أعطي صوتي لمن يريد حضوري يوم الانتخابات ولا يسمع صوتي طوال السنوات التي تليها
أنا لا أعاقب نفسي بالمقاطعة بل أعاقب من اعتاد أن يأخذ ثقة الناس بلا ثمن وأن يعود إليهم في كل موسم بالوعود نفسها والأعذار نفسها
ولا تعني المقاطعة عندي ترك العمل العام فخدمة الناس لا تبدأ من صندوق الانتخابات ولا تنتهي عنده وإنما تكون بالوقوف مع المظلوم ومساندة المحتاج وحماية الأرض ومواجهة الهدم وإصلاح المجتمع وبناء لجان أهلية صادقة لا تستيقظ مرة كل أربع سنوات
هذا موقفي الشخصي الذي أتحمل مسؤوليته
لن أمنح صوتي لمن لم يقدم بعد ثمانية وسبعين عاما ما يستحق أن يكافأ عليه ولن أضع اسمي شاهدا على إعادة تدوير الفشل.
فبعد كل هذه السنوات لم يعد السؤال عندي من سيفوز بالمقاعد بل متى نتوقف عن مكافأة الذين يأخذون أصوات الناس ثم لا يتركون لهم إلا الخيبة.
ولهذا أقاطع
أقاطع محاسبة لا مبالاة
وأقاطع عقوبة لا هروبا
وأقاطع صونا لقيمي ومبادئي وهويتي
وأقاطع لأن صوتي أمانة ولأن من لم يحفظ الأمانة طوال ثمانية وسبعين عاما لا يستحق أن أسلمها إليه مرة أخرى.