أغرب حوادث الطيران في التاريخ: وقائع استثنائية تحدت المنطق وصنعت أحداثاً لا تُنسى
يُبنى عالم الطيران على إجراءات صارمة، وأنظمة احتياطية، وطبقات لا حصر لها من الأمان، لكن على مر السنين سُجلت لحظات كان فيها الواقع أغرب من أي سيناريو خيالي. فقد أدت الأخطاء البشرية، والأعطال النادرة، والقرارات غير المتوقعة، والصدف شبه المستحيلة إلى وقوع أحداث دخلت التاريخ، ولم تتوقف عن إثارة اهتمام المحققين وأطقم الطيران وهواة المجال حتى بعد مرور سنوات طويلة. نستعرض هنا عشرة من أبرز هذه الحوادث الاستثنائية والمفاجئة التي لا تُنسى.
رحلة بلا سقف في 28 نيسان/أبريل 1988، أقلعت الرحلة رقم 243 التابعة لشركة "ألوها إيرلاينز" (Aloha Airlines) من مدينة هيلو في هاواي متجهة إلى هونولولو. وبعد نحو 20 دقيقة من الإقلاع، وبينما كانت طائرة "البوينغ 737" تحلق على ارتفاع 24 ألف قدم، وقع انهيار هيكلي دراماتيكي؛ حيث تمزق جزء كبير من السقف العلوي لهيكل الطائرة وطار في الهواء، تاركاً قسماً كاملاً من مقصورة الركاب مكشوفاً تماماً للسماء. وجد الركاب في ذلك القسم أنفسهم داخل طائرة أشبه بمركبة مكشوفة، عرضة للرياح العاتية، والضجيج الصمّاخ، والانخفاض المفاجئ في الضغط. وفي تلك اللحظة، سُحبت مضيفة طيران تُدعى كلارابيل لانسينغ، كانت تقف في الممر، إلى خارج الطائرة ولم يُعثر على جثتها قط. وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة والمخاوف من تفكك الطائرة، تمكن طاقم القيادة من الحفاظ على السيطرة والهبوط بسلام في مطار كاهولوي في ماوي. نجا بقية الركاب وأفراد الطاقم، رغم إصابة العشرات منهم. وخلصت التحقيقات إلى أن إجهاد المعادن والأضرار المتراكمة في هيكل الطائرة، والناجمة جزئياً عن العدد الهائل من دورات الإقلاع والهبوط في بيئة بحرية، قد ساهمت في هذا التمزق غير المسبوق.
القبطان الذي سُحب خارج الطائرة.. وبقي على قيد الحياة في صباح 10 حزيران/يونيو 1990، أقلعت الرحلة 5390 التابعة لشركة "الخطوط الجوية البريطانية" من برمنغهام إلى ملقا، وعلى متنها 81 راكباً وستة من أفراد الطاقم. وبعد 13 دقيقة، وأثناء تسلق الطائرة لارتفاع 17,300 قدم، سُمع دوي انفجار هائل في قمرة القيادة. فقد اقتُلعت إحدى النوافذ الأمامية من جهة القبطان تيم لانكستر من مكانها بسبب الفروقات في الضغط. وأدى الانخفاض العنيف للضغط إلى سحب لانكستر من مقعده وقذف نصفه العلوي خارج الطائرة، بينما علقت ساقاه بالداخل. اندفع المضيف نايجل أوغدن نحوه وأمسك به، وانضم إليه لاحقاً أفراد آخرون من الطاقم في محاولة لتثبيته في مواجهة تيار الهواء القوي والبرد القارس. طوال 20 دقيقة، كانوا مقتنعين في بعض اللحظات بأن القبطان قد فارق الحياة، لكنهم رفضوا إفلاته. في غضون ذلك، سيطر مساعد الطيار أليستير أتشيسون بمفرده على الطائرة ونفذ هبوطاً اضطرارياً في ساوثهامبتون. نجا لانكستر بكسور وكدمات وحروق جليدية. وكشفت التحقيقات لاحقاً أن النافذة كانت قد استُبدلت قبل وقت قصير، وأن 84 برغياً من أصل 90 استخدمت في التثبيت كانت بقطر أصغر من المطلوب، كما أن الستة المتبقية لم تكن بالمقاس الصحيح.
الطائرة التي هبطت بمفردها في 2 شباط/فبراير 1970، انطلقت طائرة اعتراضية تابعة للقوات الجوية الأمريكية من طراز F-106 (Delta Dart) في رحلة تدريبية من مونتانا. وخلال مناورة قتال جوي، دخلت الطائرة في حالة دوران مسطح (دوران أفقي مع فقدان الارتفاع)، وهو وضع لم يتمكن الطيار من الخروج منه. وبعد فشل جميع محاولات السيطرة، اتخذ القرار الحتمي بالقفز بكرسي הקפלט، تاركاً خلفه طائرة مقاتلة كان من المفترض أن تتحطم في غضون دقائق. لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ فقد أدى التغير في توازن الطائرة ووزنها جراء قذف الطيار إلى تغيير استجابتها، لتتمكن من الخروج من الدوران بقوة الدفع الذاتية. واصلت الطائرة هبوطها دون أي بشري في قمرة القيادة، واستقرت لتنفذ هبوطاً انزلاقياً ناعماً بشكل مذهل في حقل مغطى بالثلوج بالقرب من بلدة "بيغ ساندي". كانت الأضرار طفيفة نسبياً، فتم استرداد الطائرة وإصلاحها وإعادتها للخدمة التشغيلية. عُرفت الحادثة لاحقاً باسم "قاذفة حقل الذرة"، رغم أنها لم تكن قاذفة قنابل ولم يكن الحقل مزروعاً بالذرة حينها، وتُعرض الطائرة اليوم في المتحف الوطني للقوات الجوية الأمريكية.
توقف المحركات الأربعة.. ثم عودتها للحياة في 24 حزيران/يونيو 1982، أقلعت الرحلة 9 التابعة لـ"الخطوط الجوية البريطانية" من لندن إلى أوكلاند. وبينما كانت طائرة "البوينغ 747" تحلق ليلاً على ارتفاع 37 ألف قدم فوق إندونيسيا، لاحظ الطاقم ظواهر غريبة: توهج أزرق حول النوافذ، ورائحة دخان لاذعة، وغبار يتدفق فوق الأجنحة. وفي غضون دقائق، بدأ محرك تلو الآخر يفقد طاقته حتى توقفت المحركات الأربعة تماماً. في الواقع، دخلت الطائرة، دون علم الطاقم، في سحابة من الرماد البركاني المنبعث من بركان جبل "غالونغونغ". تحولت الطائرة الضخمة إلى طائرة شراعية وبدأت في فقدان الارتفاع، بينما واصل الطاقم محاولاته اليائسة لإعادة تشغيل المحركات مع تهيئة الركاب لاحتمالية الهبوط في البحر. وبعد دقائق طويلة من الانزلاق، خرجت الطائرة من منطقة الرماد، ونجح الطيارون في إعادة المحركات للعمل تدريجياً. ومع ذلك، لم تكن بقية الرحلة سهلة؛ فقد أدى الرماد إلى تآكل زجاج النوافذ الأمامية لدرجة انعدمت معها الرؤية تقريباً. ورغم ذلك، تمكن الطاقم من الهبوط بسلام في جاكرتا دون وقوع إصابات.
المنطاد العسكري الذي عاد بدون طاقمه في صباح 16 آب/أغسطس 1942، أقلع منطاد المراقبة (L-8) التابع للبحرية الأمريكية من جزيرة تريجر في خليج سان فرانسيسكو في مهمة دورية روتينية لمكافحة الغواصات. كان على متنه اثنان من أفراد الطاقم فقط: إرنست كودي وتشارلز آدامز. وبعد فترة من الإقلاع، أبلغا عبر اللاسلكي برؤية بقعة نفطية مشبوهة في البحر وأنهما سيتوجهان لفحصها. كان هذا آخر اتصال حقيقي معهما. وبعد ساعات، ذُهل سكان منطقة "ديلي سيتي" برؤية المنطاد يعود من البحر بمفرده، فاقداً الارتفاع ليتحطم في النهاية على الأرض. عندما وصلت البحرية لفحص المركبة، تكشّف الجزء الأكثر غموضاً: كانت قمرة القيادة فارغة تماماً، ولم يُعثر بداخلها على أي علامات تدل على صراع أو كارثة تفسر اختفاء الرجلين في منتصف الرحلة، ولم يُعثر عليهما أبداً. يُذكر أن المنطاد كان له ماضٍ مجيد في نقل معدات حيوية لحاملة الطائرات "هورنت" قبل غارة دوليتل على اليابان، لكن مصير كودي وآدامز لا يزال إحدى أغرب ألغاز الطيران العسكري في الحرب العالمية الثانية.
الشاب الذي أهان الاتحاد السوفيتي في 28 أيار/مايو 1987، أقلع ماتياس روست، وهو طيار هاوٍ من ألمانيا الغربية يبلغ من العمر 19 عاماً وبخبرة طيران لا تتعدى عشرات الساعات، من هلسنكي بطائرة "سيسنا 172" مستأجرة. لم يُدرج وجهته الحقيقية في خطة الرحلة، والتي كانت: موسكو. وفي ذروة الحرب الباردة، اخترق روست المجال الجوي للاتحاد السوفيتي وحلق لمئات الكيلومترات داخل واحدة من أعتى شبكات الدفاع الجوي في العالم. وخلافاً للأسطورة التي نُسجت لاحقاً، لم تكن الطائرة "خفية"، بل التقطتها الرادارات السوفيتية في عدة مراحل، لكن سلسلة من الأخطاء في التحديد والتنسيق واتخاذ القرارات سمحت له بمواصلة طريقه. وبعد نحو خمس ساعات ونصف، وصل روست إلى وسط موسكو، وبحث عن مكان للهبوط قرب الكرملين، ليهبط بالطائرة على جسر فوق نهر موسكو ويسير بها حتى الساحة الحمراء، بالقرب من كاتدرائية القديس باسيل. أحاط به المارة في ذهول قبل أن يُعتقل. كانت الإهانة للجيش السوفيتي مدوية، إذ كشف الاختراق عن إخفاقات عميقة في نظام كان يُعتبر غير قابل للاختراق، وتم عزل كبار المسؤولين الأمنيين على إثر الحادثة. حُكم على روست، الذي ادعى أنه أراد خلق "جسر" للسلام بين الشرق والغرب، بالسجن لمدة أربع سنوات.
عامل الأرض الذي سرق طائرة ركاب ליقوم بحركات استعراضية في مساء 10 آب/أغسطس 2018، شهد مطار "سياتل-تاكوما" حادثة بدت في البداية شبه مستحيلة؛ حيث تمكن ريتشارد راسل (28 عاماً)، وهو عامل خدمات أرضية في شركة "هورايزون إير"، من دخول طائرة ركاب فارغة من طراز "بومباردييه Q400" بمفرده، وتشغيلها، وتوجيهها إلى المدرج، ثم الإقلاع بها. لم يكن راسل يمتلك رخصة طيران، ولم يثبت تلقيه أي تدريب رسمي على الطيران، لكن بحكم عمله كان على دراية ببعض أنظمة الطائرة، وخلص مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أنه شاهد مقاطع فيديو تعليمية للطيران على الإنترنت. حلّق راسل لأكثر من ساعة فوق منطقة "بوجيه ساوند"، ونفذ مناورات بهلوانية حادة، وأجرى محادثات طويلة ومسترخية أحياناً مع مراقبي الحركة الجوية الذين حاولوا إقناعه بالهبوط. وفي الساعة 20:46، انتهت الرحلة بتحطم الطائرة في جزيرة كيتيرون، وكان راسل الشخص الوحيد على متنها. لم يجد التحقيق أي شركاء أو دافع إرهابي، وأظهر تحليل بيانات الرحلة أن الانخفاض الأخير نحو الأرض كان متعمداً، ليخلص الطبيب الشرعي إلى أن الحادث كان عملية انتحار.
ركاب يشاهدون هبوط طائرتهم الاضطراري على البث المباشر في 21 أيلول/سبتمبر 2005، أقلعت الرحلة 292 التابعة لـ"جيت بلو" من بوربانك بولاية كاليفورنيا متجهة إلى نيويورك. وبعد الإقلاع بوقت قصير، اكتشف الطيارون عطلاً نادراً: بقيت عجلة الهبوط الأمامية لطائرة "الإيرباص A320" مفتوحة، ولكنها استدارت لتنغلق بزاوية 90 درجة بالنسبة لاتجاه الطيران. قرر الطاقم تحويل المسار إلى لوس أنجلوس والبقاء في الجو لساعات لحرق الوقود وتقليل وزن الطائرة قبل الهبوط. لكن الركاب كان بحوزتهم ما لا يتوفر عادة في حالات الطوارئ: بث تلفزيوني مباشر عبر شاشات المقاعد. وسرعان ما انتقلت الشبكات الإخبارية لتغطية مباشرة للطائرة التي تدور حول لوس أنجلوس، وتمكن الركاب من مشاهدة المذيعين وخبراء الطيران وهم يحللون فرص طائرتهم في الهبوط بسلام. وروى الركاب لاحقاً أن مشاهدة البث زادت من حدة القلق لديهم، وتم قطع البث قبل الهبوط مباشرة. نجح الطيار في إنزال العجلات الخلفية أولاً، مبقياً مقدمة الطائرة في الهواء لأطول فترة ممكنة، قبل أن يضع العجلة المتعطلة على المدرج. تمزقت الإطارات وتطايرت الشرارات والنيران من أسفل المقدمة، لكن الطائرة توقفت بسلام دون إصابة أي شخص.
الطيار الذي سمح لنجله بقيادة الطائرة.. وتسبب في كارثة في 23 آذار/مارس 1994، كانت الرحلة 593 التابعة لـ"إيروفلوت" في طريقها من موسكو إلى هونغ كونغ، عندما وقع ما لا يجب أن يحدث داخل قمرة قيادة طائرة "الإيرباص A310". أثناء التحليق، أدخل القبطان البديل طفليه إلى القمرة وسمح لهما بالجلوس في مقعد الطيار ولمس أدوات التحكم بالتبادل، بينما كانت الطائرة تحت سيطرة الطيار الآلي. وعندما ضغط ابنه البالغ من العمر 15 عاماً على مقود الطائرة لفترة متواصلة، كانت القوة كافية لتجاوز الطيار الآلي جزئياً في محور الدوران (Roll). لم ينفصل النظام بالكامل، ولذلك لم يكن الوضع واضحاً للطاقم على الفور. بدأت الطائرة في الانحراف الجانبي بزاوية ازدادت حدتها تدريجياً. وعندما أدرك الطاقم الخلل، كانوا يواجهون سلسلة سريعة من التغيرات في الارتفاع والسرعة مع فقدان السيطرة. وفي مرحلة ما، كاد الطيارون أن يستعيدوا توازن الطائرة، لكن التعديل الذي قاموا به أدى إلى فقدان السرعة (Stall) والدخول في وضع خطير آخر. لم يتبقَ ارتفاع كافٍ للتعافي، وتحطمت الطائرة في منطقة كيميروفو في سيبيريا، ما أسفر عن مقتل جميع من كان على متنها وعددهم 75 شخصاً. وخلص التحقيق إلى أن السبب الرئيسي كان الانفصال الجزئي وغير المتعمد للطيار الآلي بعد جلوس شخص غير مؤهل في مقعد الطيار.
طائرة الركاب التي تحولت إلى طائرة شراعية في 23 تموز/يوليو 1983، كانت الرحلة 143 التابعة لـ"طيران كندا" متجهة من مونتريال إلى إدمونتون. كانت طائرة "البوينغ 767" جديدة نسبياً، وكانت الشركة في خضم الانتقال من نظام القياس الإمبراطوري إلى النظام المتري. ونظراً لتعطل نظام قياس كمية الوقود في الطائرة، كان لا بد من حساب كمية الوقود يدوياً. وهنا وقع الخطأ الفادح: استُخدم في الحساب معيار كثافة الوقود بالرطل لكل لتر، بدلاً من الكيلوغرام لكل لتر. النتيجة كانت أن الطاقم اعتقد بوجود وقود في الخزانات يفوق بكثير ما كان موجوداً بالفعل. وعلى ارتفاع 41 ألف قدم، توقف أحد المحركين عن العمل، وتلاه الثاني بعد فترة وجيزة. فجأة، تحولت طائرة ركاب ذات هيكل عريض تزن عشرات الأطنان إلى طائرة شراعية. أدرك القبطان بوب بيرسون ومساعده موريس كوينتيل أنهما لن يصلا إلى المطار المخطط له، واختارا الهبوط في قاعدة "جيملي" العسكرية السابقة. لكن أحد المدرجات هناك كان قد تحول إلى مضمار لسباق السيارات وكان يعج بالناس في ذلك اليوم. ورغم ذلك، نجح بيرسون في الهبوط بالطائرة بدون محركات؛ وانهار نظام العجلات الأمامي أثناء التوقف، لكن الحادث انتهى دون وقوع قتلى. تم إصلاح الطائرة وعادت للخدمة، وحملت منذ ذلك الحين لقبها الشهير: "طائرة جيملي الشراعية" (Gimli Glider).