مجتمعنا بحاجة إلى كبير يعيد الأمور إلى نصابها.. يا جماعة الخير... إلى أين نحن ذاهبون؟
لم يبقَ على الانتخابات البرلمانية سوى أقل من شهرين، والمرحلة التي نقف أمامها ليست مرحلة عادية ولا تحتمل العبث. ومع ذلك، نجد أنفسنا منشغلين بخلافات جانبية، ومشاكل اجتماعية، و«قالوا وقال»، وبتبادل الاتهامات والبحث عن أخطاء بعضنا البعض، وكأننا لا نواجه استحقاقا سياسيا مصيريا!
بدلا من أن نوحّد صفوفنا، ونستعد لمعركة انتخابية تحتاج إلى كل صوت وكل جهد، أصبح بعضنا منشغلا ببعضه البعض. وكل فئة تراقب الفئة الأخرى، وتبحث عن زلتها، ثم تسارع إلى نشرها وتضخيمها.
وهنا السؤال الذي يجب أن نطرحه بصوت عالٍ: من خلق مشكلة الأخ جعفر فرح؟ ولماذا أثيرت الآن؟ وما الهدف من ذلك ؟أ
للأسف، أشعر أن بعض ما يجري اليوم لم يعد منافسة شريفة، وإنما أصبح صراعا سلبيا يأكل من رصيد مجتمعنا ويضعف ثقة الناس بقياداته.
ولو كانت مثل هذه المشكلة قد حدثت في زمن القيادات الاجتماعية والسياسية التي رحلت، لما وصلت في رأيي إلى هذا الوضع . كانت هناك شخصيات تعرف متى تتدخل، وتعرف كيف تجمع المختلفين، وتعرف كيف تقول للجميع: كفى... مصلحة المجتمع فوق الجميع.
أما اليوم، فنحن نفتقد هذا النوع من القيادات.
نفتقد «الكبير» الذي لا يقيس الأمور بمنظار حزبي أو شخصي. نفتقد من يملك الشجاعة ليقول للخطأ: خطأ، وللصواب: صواب، أيا كان صاحبه.
وتعالوا نسمي الولد باسمه: ما يحدث هو علاقات سياسية وتنظيمية مريضة.
عندما يصبح همّ كل فئة اكتشاف أخطاء الفئة الأخرى، وعندما تتحول المنافسة إلى تشويه، وعندما يصبح الخلاف سببا للقطيعة، وعندما يغيب الحوار وتغيب الحكمة، فإننا لا نبني مجتمعا ولا تنظيما، وإنما نهدم بأيدينا ما بناه السابقون.
أي تنظيم أو حزب لا يستطيع أن يحتوي خلافاته، ولا يملك قيادة حاسمة وحكيمة، ويسوده التوتر والانقسامات والمنافسة السلبية، فإنه مهما كان قويا اليوم، سيضعف غدا، وقد يصل إلى الانهيار والفشل.
الناس لا تريد قيادات تتصارع أمامها.
الناس تريد من يوحدها.
لا تريد من يذكّرها كل يوم بخلافات الماضي.
تريد من يفتح أمامها باب المستقبل.
ولا تريد أن ترى أبناء المجتمع يتبادلون الاتهامات بينما قضايا مجتمعنا الحقيقية تنتظر الحل.
لذلك أقولها بوضوح:
نحن بحاجة إلى كبير يعيد الأمور إلى نصابها.
نحن بحاجة إلى شخصيات لها مكانتها، تقوم فورا بدعوة مختلف الأطراف إلى طاولة واحدة، بعيدا عن الإعلام، وبعيدا عن وسائل التواصل الاجتماعي، وبعيدا عن تسجيل النقاط والانتصارات.
علينا أن نتعلم أن الخلاف لا يعني العداء، وأن الاختلاف في الرأي لا يبرر التشهير، وأن المنافسة السياسية لا تعني تدمير الآخر.
فالانتخابات ستأتي وستنتهي، والمرشحون سيتغيرون، والأحزاب قد تتبدل مواقعها، لكن مجتمعنا سيبقى لنا جميعاً.
فلا تجعلوا الخلافات السياسية تهدم ما بقي بيننا من ثقة.
ولا تجعلوا «قالوا وقال» يقود مجتمعاً كاملا.
ولا تسمحوا لمن يبحث عن الفتنة أن يقرر مستقبلنا.
اتقوا الله في مجتمعكم، وتعالوا نضع مصلحة أهلنا فوق مصالحنا الشخصية والتنظيمية.
الوقت ليس وقت التراشق.
الوقت ليس وقت تصفية الحسابات.
الوقت ليس وقت كشف العورات لبعضكم البعض.
الوقت وقت وعي، ووحدة، ورص صفوف، واستعداد للانتخابات.
ومن يعتقد أن إسقاط أخيه هو انتصار له، فعليه أن يعرف أن سقوط أخيه قد يكون بداية سقوط الجميع.
مجتمعنا بحاجة إلى حكماء... بحاجة إلى كبير... بحاجة إلى من يقول للجميع: كفى!
قبل أن يصبح الخلاف انقساما، وقبل أن يصبح الانقسام شرخا، وقبل أن يصبح الشرخ انهيارا.
فالمرحلة مصيرية، والانتخابات على الأبواب، ومجتمعنا أكبر من أي حزب، وأكبر من أي شخص، وأكبر من أي خلاف.
لهذا، لا بد أن نعود إلى العقل والحكمة قبل فوات الأوان.
وحين يخسر المجتمع وحدته، لن ينفعه فوز هذا الحزب أو ذاك.
فلنتوقف قبل أن نندم، ولنجعل من الانتخابات القادمة بداية لرص الصفوف، لا سبباً جديداً لتفريقها.
مجتمعنا يستحق أفضل من هذا.
وأبناؤنا يستحقون أن يروا فينا قدوة في الحكمة والوحدة، لا نموذجا للخلاف والانقسام.
فهل من كبير يقول: كفى... ويعيد الأمور إلى نصابها؟