حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
بقلم: رانية مرجية
ثمة ما هو أخطر من أن ينساك العالم: أن يعتاد عليك.
أن يعتاد على الركام، وعلى أطفال يكبرون قبل أوانهم، وعلى أسماء المدن التي تتكرر في نشرات الأخبار حتى تفقد دهشتها الأولى. أن يصبح الموت رقمًا، والنزوح إحصائية، والدمار بندًا في خطة إعمار، والجوع ملفًا إنسانيًا، والاحتلال «وضعًا معقدًا» يحتاج إلى إدارة.
عندها لا تختفي فلسطين من المشهد.
بل يحدث ما هو أخطر: تتحول فلسطين إلى أزمة قابلة للإدارة.
وهذه ليست مسألة لغوية. إنها مسألة سياسية بامتياز.
فحين تُختزل قضية شعب في ملف إنساني، يتغير السؤال من: كيف ينتهي الاحتلال؟ إلى: كيف نجعل الحياة تحته ممكنة؟ ومن البحث عن حل إلى احتواء النتائج، ومن إنهاء الظلم إلى إدارة آثاره.
فلسطين ليست كارثة طبيعية تحتاج إلى إغاثة، ولا أزمة موسمية يمكن تخفيف آثارها ثم انتظار الجولة التالية. إنها قضية شعب حُرم من حريته وحقه في تقرير مصيره.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية ليس أن يغيب اسم فلسطين عن العالم، بل أن يبقى حاضرًا بوصفه أزمة إنسانية، لا قضية سياسية تبحث عن حل.
لا أحد يستطيع التقليل من قيمة العمل الإنساني. الغذاء والدواء والمأوى وإعادة بناء المستشفيات والمدارس والبيوت مسائل حياة أو موت.
لكن الإغاثة لا يمكن أن تكون بديلًا عن السياسة.
أن تعيد بناء بيت هُدم، دون أن تسأل عن الظروف التي قد تهدمه مرة أخرى، يعني أنك عالجت النتيجة وتركت السبب.
وأن تعيد إعمار مدينة دون مسار سياسي ينهي دورة الدمار، يعني أنك قد تستعد لإعمارها من جديد.
المساعدات تنقذ الأرواح، لكنها لا تصنع الحرية.
وإعادة الإعمار تعيد بناء الحجر، لكنها لا تضمن المستقبل.
والهدنة توقف إطلاق النار، لكنها لا تصبح سلامًا لمجرد أنها أطول من سابقاتها.
المشكلة ليست في أن نغيث الناس.
المشكلة أن نعتاد على إغاثتهم بدل إنهاء ما يجعلهم بحاجة إلى الإغاثة.
لقد أصبح العالم أكثر خبرة في إدارة الأزمات الفلسطينية: مؤسسات إغاثة، مؤتمرات، خطط طوارئ، مساعدات، مبعوثون، بيانات، ولجان لإعادة الإعمار.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا هو: ماذا لو أصبحت إدارة الأزمة جزءًا من المشكلة؟
حين يصبح الهدف منع الانفجار بدل إزالة أسبابه، تتحول الهدنة إلى سياسة.
وحين يصبح المطلوب إبقاء الناس على قيد الحياة بدل تمكينهم من صناعة حياتهم، تتحول المساعدات إلى نظام دائم.
وحين يصبح الإعمار هو المشروع الأكبر بينما يغيب السؤال السياسي، ندخل في دورة نعرفها جيدًا: دمار، إغاثة، إعمار، ثم دمار جديد.
عندها لا يعود السؤال: كم سنبني؟
بل:
لماذا نعيد بناء ما نعرف أنه قابل للهدم مرة أخرى؟
لكن مسؤولية العالم لا تلغي مسؤوليتنا.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:
ماذا سنفعل نحن باليوم التالي؟
ليس اليوم التالي للحرب وحدها، وإنما اليوم التالي لهذه المرحلة الفلسطينية بكل ما حملته من انقسام وتعب وفقدان للثقة.
أي فلسطين نريد أن نبني؟
وهل نريد أن يكون «اليوم التالي» مجرد عودة إلى «اليوم السابق»؟
إذا كان الأمر كذلك، فما الذي تغير؟
ربما آن الأوان للاعتراف بأن الانقسام ليس كل الأزمة، بل أحد أعراضها.
الأزمة أعمق: أزمة تمثيل، وشرعية، وتجديد سياسي.
والسؤال الذي لم يعد من الممكن تأجيله هو:
هل ما زال النظام السياسي الفلسطيني قادرًا على إنتاج شرعية جديدة؟
شرعية لا تستند فقط إلى تاريخ الفصائل أو رمزية القيادات، بل إلى ثقة الناس ومشاركتهم وقدرتهم على التأثير في القرار.
هذه ليست دعوة إلى محو الماضي.
لكن الماضي، مهما كانت مكانته، لا يستطيع وحده أن يصنع المستقبل.
هناك جيل فلسطيني كامل نشأ في ظل الانقسام.
جيل لم يرَ الاحتلال وحده، بل رأى أيضًا عجز السياسة عن إنتاج طريق واضح للخروج منه.
سمع عن الوحدة الوطنية، لكنه عاش الانقسام.
وسمع عن الديمقراطية، لكنه عاش سنوات طويلة من دون تجديد حقيقي للشرعية الشعبية.
وسمع عن المستقبل، لكنه رأى السياسة تعود إلى الوجوه والأدوات نفسها.
هذا الجيل لا يريد أن يرث الانقسام كما يرث الاسم والذاكرة.
يريد أن يكون شريكًا في تعريف فلسطين التي ستأتي.
يريد مؤسسات يثق بها، وصوتًا يُسمع، ومشاركة حقيقية، ومساحة سياسية لا يكون فيها مجرد متلقٍ لقرارات تُتخذ باسمه.
والتعامل مع هذا الجيل باعتباره مشكلة تحتاج إلى الاحتواء هو خطأ سياسي.
إنه أحد أهم مصادر الشرعية التي نحتاج إليها.
فالوحدة الوطنية ليست أن تجلس الفصائل حول طاولة واحدة.
الوحدة الوطنية أن يشعر المواطن أن هذه الطاولة تخصه أيضًا.
وفي الخارج، حدث تحول لا يجوز تجاهله.
لقد اتسعت مساحة فلسطين في الوعي العالمي. تغيرت لغة كثيرة، وتبدلت صور كثيرة، وأصبح من الصعب على قطاعات واسعة من الرأي العام أن ترى الفلسطيني باعتباره مجرد رقم في نزاع طويل.
لكن الحضور ليس انتصارًا نهائيًا.
والتعاطف ليس مشروعًا سياسيًا.
والرواية، مهما كانت عادلة، تحتاج إلى مشروع قادر على تحويلها إلى قوة سياسية.
ربما لم تعد المشكلة الأساسية هي إقناع العالم بأن الفلسطيني يستحق التعاطف.
المشكلة هي إقناعه بأن التعاطف وحده لم يعد كافيًا.
فالدولة لا تُبنى بالتعاطف، والحقوق لا تُستعاد بالتضامن وحده.
لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يسمعنا العالم؟
بل:
ماذا نريد منه بعد أن يسمعنا؟
هل نملك مشروعًا سياسيًا واضحًا؟
هل نستطيع تحويل التضامن العالمي إلى ضغط سياسي مستدام؟
هل نعرف ماذا نريد من «اليوم التالي»، أم سننتظر مرة أخرى أن يقرر الآخرون شكله ثم نتفاوض على تفاصيله؟
هذه الأسئلة لا تعني إعفاء الاحتلال من مسؤوليته، ولا التقليل من مسؤولية المجتمع الدولي.
لكنها تعني أن استعادة المبادرة الفلسطينية تبدأ من حقيقة لا مفر منها:
أحد لن يبني مشروعنا الوطني نيابة عنا.
علينا أن نعيد بناء مؤسساتنا على أساس الشرعية الشعبية.
أن نفتح المجال أمام الشباب والنساء والمستقلين والمثقفين وكل الفئات التي تشعر أن السياسة تتحدث باسمها أكثر مما تستمع إليها.
أن نعيد تعريف الوحدة الوطنية بوصفها شراكة في القرار، لا مجرد هدنة بين المتخاصمين.
وأن نمتلك شجاعة السؤال:
من يقود؟ وبأي شرعية؟ وإلى أي مستقبل؟
فالسؤال عن القيادة ليس شخصيًا.
إنه سؤال عن النظام السياسي الذي نريده، وعن قدرته على تمثيل مجتمع تغير كثيرًا، وعن قدرته على إنتاج أفق لا يقوم على إدارة الانقسام بل على تجاوزه.
وربما يكون الخطأ الأكبر أن نتعامل مع «اليوم التالي» باعتباره عودة إلى «اليوم السابق».
فما قبل الحرب لم يعد موجودًا كما كان.
تغير الفلسطيني.
وتغير العالم.
وتغيرت المنطقة.
وتغيرت صورة فلسطين في الوعي العالمي.
والأهم أن كلفة العودة إلى النظام القديم أصبحت أكبر.
لذلك لا يكفي أن نعيد تشغيل الساعة.
علينا أن نعيد ضبطها.
ليس المطلوب إعادة إنتاج ما كان، بل بناء ما لم يكن.
غزة ليست مجرد مساحة تحتاج إلى إعمار.
والضفة ليست جغرافيا مؤجلة.
والقدس ليست عنوانًا رمزيًا.
والشتات ليس ذاكرة بعيدة.
هذه كلها أجزاء من شعب واحد، وقضية واحدة، ومستقبل واحد.
لكن وحدة الشعب لا تعني تجميد السياسة، بل تعني أن تكون السياسة قادرة على استيعاب اختلاف الفلسطينيين من دون أن تحول الاختلاف إلى انقسام دائم.
علينا أن نخرج فلسطين من لغة «الأزمة».
ففلسطين ليست أزمة.
الأزمة هي ما يُفرض على فلسطين.
أما فلسطين فهي قضية شعب وحق وهوية ومستقبل.
والفلسطيني لا يريد أن يعيش إلى الأبد بين هدنة وحرب، وبين حصار ومساعدات، وبين إعادة إعمار ودمار.
يريد حياة عادية.
يريد أن يكبر الطفل وهو يعرف أسماء المدن والكتب والأغاني، لا أسماء الحواجز ومراكز الإيواء وأرقام الضحايا.
يريد للطالب أن يخطط لمهنته، وللمزارع أن يزرع أرضه، وللأسرة أن تبني بيتًا وهي مطمئنة إلى أن البيت لن يتحول غدًا إلى أثر.
لقد تعلّم الفلسطيني معنى الصمود.
لكن الصمود ليس قدرًا أبديًا.
ليس من العدل أن نطلب من شعب أن يبقى صامدًا إلى ما لا نهاية، بدل أن نعمل على إزالة الأسباب التي تجبره على الصمود أصلًا.
لهذا فإن السؤال الحقيقي في «اليوم التالي» ليس فقط:
من سيدير غزة؟
ولا من سيمول إعادة إعمارها؟
ولا من سيراقب حدودها؟
السؤال الأعمق هو:
من سيعيد للفلسطيني حقه في أن يكون صاحب المستقبل؟
هنا تبدأ السياسة.
فلسطين لا تحتاج إلى إدارة أفضل لأزمتها، بل إلى نهاية للأسباب التي صنعت الأزمة.
تحتاج إلى عدالة لا إلى شفقة.
وإلى حرية لا إلى إدارة محسنة للحصار.
وإلى مؤسسات تستعيد ثقة الناس، لا إلى مؤسسات تكتفي بالبقاء.
وتحتاج إلى مشروع وطني يستطيع أن يجيب عن السؤال الذي طال تأجيله:
كيف ننتقل من شعب يُدار مصيره من حوله إلى شعب يشارك في صناعة مصيره؟
ربما يكون أخطر ما يمكن أن تفعله المأساة بنا ليس أن تهدم بيوتنا، بل أن تهدم قدرتنا على تخيل بيت مختلف.
فإذا خرجنا من الحرب ونحن نريد فقط أن نبني ما تهدم، سنكون قد نجونا من الحرب، لكننا لم نخرج من منطقها.
أما إذا امتلكنا شجاعة إعادة بناء الإنسان، والمؤسسة، والثقة، والمشروع الوطني، فقد يصبح للركام معنى آخر.
ليس معنى النصر.
بل معنى البداية.
فلسطين ليست أزمة تحتاج إلى أن تُدار بكفاءة أكبر.
فلسطين قضية تحتاج إلى أن تُحل بعدالة.
والفارق بين الأمرين ليس في اللغة.
إنه الفارق بين أن يبقى الفلسطيني حيًا…
وبين أن يكون قادرًا على أن يعيش.