مُنازِلُ الفَجْرِ
مُنازِلُ الفَجْرِ
سَأَزرَعُ في صَدْرِ الرِّياحِ قَصيدَتي،
وأَجعَلُ مِن نَبضِ السَّحابِ لَها مَدَى.
وأَرفَعُ مِن كَفِّي لِلشُّموسِ مَشاعِلاً،
فَيَشهَدُ أَنَّ الحُرفَ إنْ صاحَ اهتَدَى.
أَأَتبَعُ ظِلًّا في الطُّرُوقِ، وإنَّني
أَرى الأُفْقَ مِن حَوْلِي يَضيقُ إذا انثَنَى.
أَنَا ابْنُ القَوافِي؛ كُلَّما ضاقَ مُنتَهىً،
شَقَقتُ لِأَلْفاظِي مِنَ الصَّخرِ مُبتَدَى.
أُصَوِّرُ فِي بَيتِي الغُروبَ مُعَلَّقاً،
كَطِفلٍ عَلَى أَهدابِ أُمٍّ قَد غَدَا.
وَأَرْسُمُ فَوْقَ المَوجِ قَمْراً مُهاجِراً،
يُفَتِّشُ عَنْ شَطٍّ تَوَارَى وَابْتَعَدَا.
وَأَجْعَلُ مِن صَوتِ الجَداولِ مِئذَنَةً،
يُرَتِّلُ فِيهَا الماءُ سِرّاً مُسَرْمَدَا.
فَإِنْ ضَاقَ دَرْبِي، كُنتُ لِلفَجْرِ مُنْزِلاً،
وَإِنْ أَظْلَمَتْ دُنْيايَ أَوْقَدْتُها هُدَى.
لِيَ النَّخلُ مِحرابٌ، وَلِي فِي الرُّبَى يَدٌ،
تُحَوِّلُ صَمتَ التُّربِ بُستاناً نَدَى.
أُنازِلُ أَشباحَ المَجازِ بِهِمَّةٍ،
وَأَجْعَلُ مِن أَحلامِها كَوْكَباً بَدَا.
فَمَا الشِّعْرُ إِلَّا أَنْ تُشَيِّدَ مِن رُؤىً،
جُسوراً، وَتَسقِي مِن جَمَالِكَ مَنْ ظَمَا.
وَمَا المَجدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَأَنَّمَا،
تُقَلِّبُ وَجْهَ الكَونِ فَنّاً مُجَدَّدَا.
فَإِنْ سَأَلُوا عَنِّي، فَقُلْ: ذَاكَ شَاعِرٌ
يُرَبِّي عَلَى أَهدابِهِ الشَّمسَ وَالصَّدَى.
سَأَبقَى، وَإِنْ طَالَ المَسِيرُ، مُغَرِّداً،
أُعَلِّمُ حَتَّى النَّجْمَ كَيْفَ يُرَدِّدَا.