عفوا.. لَا تَطْلُبْ مِنَ الفَقِيرِ هَدِيَّةً
عفوا ..لَا تَطْلُبْ مِنَ الفَقِيرِ هَدِيَّةً
وَالفَقْرُ أَلْوَانٌ..
فَقَدْ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ كُلَّ مَسَاءٍ
وَفِي جَيْبِهِ مَا لَا يَكْفِي لِأَحْلَامِ الغَدِ،
يَحْمِلُ عَلَى كَتِفَيْهِ تَعَبَ الأَيَّامِ،
وَيُخَبِّئُ خَلْفَ ابْتِسَامَتِهِ حِسَابَاتٍ صَغِيرَةً
لَا تَنْتَهِي.
عفوا..لَا تَطْلُبْ مِنْهُ هَدِيَّةً،
فَهُوَ يَعْرِفُ قِيمَةَ الأَشْيَاءِ
أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ،
لِأَنَّهُ حُرِمَ مِنْهَا طَوِيلًا.
يَعْرِفُ ثَمَنَ الخُبْزِ،
وَثَمَنَ الدَّوَاءِ،
وَثَمَنَ الدِّفْءِ فِي لَيَالِي الشِّتَاءِ،
وَيَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الأُمْنِيَاتِ
أَغْلَى مِنْ أَنْ تُشْتَرَى.
قَدْ يَمُرُّ أَمَامَ وَاجِهَةِ مَتْجَرٍ،
فَيَرَى مَا يَلِيقُ بِمَنْ يُحِبُّ،
وَيَتَخَيَّلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ،
ثُمَّ يَمْضِي بِصَمْتٍ،
كَأَنَّ الرَّغْبَةَ ذَنْبٌ
لَا يَحِقُّ لَهُ ارْتِكَابُهُ.
عفوا..لَا تَسْأَلِ الفَقِيرَ عَنْ هَدِيَّةٍ،
فَفِي قَلْبِهِ أَلْوَانٌ مِنَ العَطَاءِ،
لَكِنَّهُ عَطَاءٌ لَا يُغَلَّفُ بِوَرَقٍ مُلَوَّنٍ،
وَلَا يُرْبَطُ بِشَرَائِطِ الحَرِيرِ.
عَطَاءٌ مِنَ الصَّبْرِ،
مِنَ المَحَبَّةِ،
وَمِنَ الكَرَامَةِ الَّتِي تَقِفُ شَامِخَةً
رَغْمَ انْحِنَاءِ الظَّهْرِ تَحْتَ أَثْقَالِ الحَيَاةِ.
كَمْ مِنْ فَقِيرٍ
كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَمْنَحَ العَالَمَ وَرْدَةً،
فَلَمْ يَجِدْ سِوَى الدُّعَاءِ.
وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ
امْتَلَأَتْ خَزَائِنُهُ بِالهَدَايَا،
وَظَلَّ قَلْبُهُ خَالِيًا مِنَ المَعْنَى.
لَا تَخْتَبِرْ مَحَبَّةَ الفَقِيرِ بِمَا يَمْلِكُ،
بَلِ امْنَحْهُ احْتِرَامًا
لَا يَجْرَحُ عَوْزَهُ،
وَكَلِمَةً لَا تُذَكِّرُهُ بِمَا يَنْقُصُهُ،
وَنَظْرَةً تَرَى إِنْسَانِيَّتَهُ
قَبْلَ أَنْ تَرَى جَيْبَهُ.
فَالفَقْرُ لَيْسَ نَقْصًا فِي القَلْبِ،
وَلَا عَيْبًا فِي الرُّوحِ،
بَلْ هُوَ امْتِحَانٌ ثَقِيلٌ،
يَعْبُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ
بِكَرَامَةٍ لَا يَشْتَرِيهَا أَغْنَى النَّاسِ..