"أمِن الناصرة يخرج شيء صالح ؟"
أسمَعَتنا الكنيسة يوم الأحد الماضي إنجيل دعوة الرسولين الأولين أندراوس وبطرس . "وفي الغد، اعتزم يسوع الذهاب الى الجليل، فلقي فيلبس، فقال له: اتبعني...ولقي فيلبس نثنائيل فقال له: ان الذي كُتِب عنه في شريعة موسى وفي الأنبياء قد وجدناه. انه يسوع ابن يوسف من الناصرة. فقال له نثنائيل: أمِن الناصرة يخرج شيء صالح؟ فقال له فيلبس: تعالَ وانظر" (يوحنا 1/45-46).
لم تكن الناصرة في القديم مدينة ذات شأن، فلا قام منها نبي ولا فاتح ولا فيلسوف، ولا ورد ذكرها في العهد القديم، ولا في كتابات يوسيفوس او ايٍّ من الوثائق المصرية او الأشورية او الحِثّّية او الآرامية او الفينيقية المكتشفة حتى اليوم. وأول ما نجد لها ذكرا في التاريخ انما هو في الإنجيل، حين "ارسل الله الملاك جبرائيل، الى مدينة في الجليل تسمى الناصرة" (لوقا 1/26) حيث تمّت البشارة. وبعد ميلاد السيد والهرب الى مصر والعودة منها، "أُوحي الى يوسف في الحلم، فانصرف الى نواحي الجليل، وجاء فسكن في مدينة يقال لها الناصرة" (متى 2/22-23).
ومن اللافت ان يكون الإنجيل، في رواياته الثلاث المذكورة اعلاه، قد ربط بين اسم الناصرة واسم الجليل،حتى كاد يوحِّد بينهما. ولا عجب في النهاية، "فالجليلي" (متى 26/69) و"الناصري" (مرقس 10/47) هما يسوع الواحد نفسه. وكأن الناصرة كانت قلب الجليل في تلك الأيام، كما هي اليوم لأبناء الجليل الحديث... ومن هنا نفهم ان ايّ قارىء نصراوي او جليلي، عندما يقـرأ اليوم إنجيل يوحنا في المقطع المذكور اعلاه، لا بد أن يشعر،لأول وهلة، ببعض الانزعاج: لمَ هذا الاحتقار للناصرة؟ حتى ان يوحنا يعود لاحقا فينهي حيث بدأ: فوق رأس يسوع على الصليب كَتَب بيلاطس سبب الصلب:" يسوع الناصري" (يوحنا 19/19)، فكأنه يقول: يسوع المجرم او الحقير. وهذه الكتابة "قرأها كثيرون، لأن المكان الذي صُلِب فيه يسوع كان قريبا من المدينة، ولأنها كانت مكتوبة بالعبرية والرومانية واليونانية" (يوحنا 19/20). فكانّ المقصود هو ان يبقى اسم الناصرة، التي لا يخرج منها شيء صالح، مقرونا بالضعة والاحتقار حتى موت ابنها الناصري، وكأن المقصود أيضا أن يُعرَف ذلك ويُنشَر في كل لغات العالم .- أليس في الأمر مهانة لكل نصراوي وجليلي؟
بل العكس تماما هو الصحيح. والجليلي او النصراوي اليوم هو اول من يجب ان يفاخر بابن بلده، بذاك الذي نفض عنه الذل والاحتقار، وأعاد اليه العزة والكرامة. يسوع ابن الناصرة والبشارة، عيسى ابن مريم،هذا الذي قلب جميع القيم والمفاهيم في العالم كله. لقد صلبوه وأماتوه في القدس، ولكنه بعد قيامته، أعطى تلاميذه موعدا للقائه في الجليل بالذات: "ها انه يسبقكم الى الجليل، وهناك ترونه" (متى 28/7). وها هو يوحنا نفسه، الذي كان قد سجّل في مطلع انجيله احتقار العالم للناصرة وللجليل، ينهي الآن هذا الإنجيل على أروع منظر ينحني أمامه العالم، وفي الجليل بالذات: هنا، على شاطىء بحيرة طبريا، كان بطرس (هامة الرسل) وتوما (ذاك الذي أبى أن يصدّق نبأ القيامة الا بعد ان وضع اصبعه في موضع المسامير، ويده في الجنب المطعون بالحربة) ونثنائيل (ذاك بالذات الذي كان قد قال متهكما: أمِن الناصرة يخرج شيء صالح؟)و...كانوا مجتمعين، واذا بيسوع يظهر لهم ويكلمهم، ويجري لهم معجزة صيد السمك، ويأكل معهم (يوحنا 21/1-14). وهناك ايضا، على شاطىء بحيرة الجليل، يسأل بطرس ثلاثا: "أتحبني؟"، ويقيمه رئيس رعاة خرافه (يوحنا 21/15-17). وها هو ايضا متى ينهي انجيله على ايقاعِ اروعِ مسيرةٍ في التاريخ تنطلق من الجليل:"اما التلاميذ الأحد عشر فمضوا الى الجليل...فدنا يسوع وكلمهم قائلا: اني قد أُعطِيت كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا اذن وتلمِذوا جميع الأمم...وعلِّموهم ان يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها انا معكم كل الأيام الى انقضاء الدهر" (متى 28/16-20). هل أروع وأسمى من تلك الأحداث العظيمة, يجريها المسيح في الجليل، فيتوِّج بها رسالته، رافعا الناصرة والجليل الى ارفع قمة في إنجيله.
الناصرة والجليل (قانا، نائين، جبل التجلي، طبريا، المجدل، كورزين، كفرناحوم، بيت صيدا...)، وكل حبة تراب مشى عليها المسيح عيسى ابن مريم في هذه البقعة المباركة من الأرض، كلها أصبحت اسماء خالدة على صفحات الإنجيل الى الأبد. فهل من أرض تحت السماء لا تُذكَر فيها كل يوم تلك الأسماء الغالية على قلوبنا؟ وهل من أماكن ومزارات تهفو اليها قلوب ملايين البشر، كتلك التي تركها لنا ابن بلدنا، الناصري الجليلي، يتشرف العالم كله بالحج اليها والتبرك بها؟
يا يسوع الناصري الجليلي، يا يسوعنا وعيسانا ابن مريم، يا ابن بلادنا الحبيب، نحن ابناء الناصرة والجليل، نحن جميعا، مسيحيين ومسلمين، جئنا اليوم نفاخر بك العالم كله، ونعتزّ أن تكون مواطنا لنا او ان نكون مواطنيك. من عندنا انطلق صوتك المدوّي، فزلزل عالما وأقام آخر. كنتَ مزعجا للمستكبرين فغيّرتَ وجه الدنيا. قوّضت أصنام آلهة البطش والظلم والحقد والبغضاء، وأطللتَ علينا بوجه الإله الواحد الأحد، اله العدالة والسلام والغفران والمحبة. فلو عاد اليوم الى دنبانا تلميذك نثنائيل، فهل تراه يجسر أن يسأل من جديد ساخرا:" أمِن الناصرة يخرج شيء صالح ؟".