عندما يموت الاطفال ويتحدث الكبار
مر اكثر من اسبوع على فراق شهيدة الحواجز العسكرية الطفلة الكناوية رفيدة ابنة الاعوام الثلاث، التي استشهدت عندما كانت في طريقها الى زيارة والدها الفلسطيني السجين. الطفلة الشهيدة رفيدة لم تتمكن من رؤية والدها، لكن الوالد ثائر بدر من بيت ليقيا تمكن من رؤية ابنته عندما كانت جثة هامدة قد أسلمت روحها الى بارئها، بعد ان اطبقت بوابة احد الحواجز العسكرية على رأس الطفلة الشهيدة واصابتها بجراح بالغة توفيت بعد مضي اربعة ايام في المستشفى.
التقت "كل العرب" خلال هذا الاسبوع، في قرية كفركنا، جيهان عقيلة والدة الطفلة رفيدة والتي عادت بنا الى الوراء لتسرد لنا اللحظات التراجيدية والعصيبة التي عاشتها حتى فارقت ابنتها الحياة، وقالت: "خرجت من قرية بيت ليقيا يوم الاحد الماضي في الساعة الرابعة صباحا، وكانت رفيدة سعيدة جدا لانها ستلتقي والدها، ونهضت من نومها باكرا قبل اخوتها وصعدت الى السيارة التي اقلتنا الى رام الله، وكان الفرح والمرح باديان عليها. وكانت تلهو وتغني طول الطريق، وقالت بانها ستغني له اغنية يا طيبة واغاني اخرى تهديها لوالدها، لكنها كانت تتامل وجهي في نفس الوقت".
تتوقف الوالدة الحزينة عن حديثها وتطرق لبعض اللحظات ثم تتابع حديثها وتقول: "في قرابة الساعة الخامسة صباحا توجهنا من رام الله الى حاجز مكابيم وانتظرنا هناك ساعات طويلة بانتظار وصول باصات قلقيلية وهذا هو برنامجنا المعتاد عندما نريد زيارة زوجي ثائر المسجون في سجن نفحة، حيث نضطر للمعاناة والانتظار ساعات طويلة دون اي سبب. الاولاد شعلروا بالملل بسبب الانظار اكلنا وشربنا وكان ابني الصغير عمر في حضني. في ذلك الوقت شعرت بنوع من التعب والارهاق وارادت رفيدة قضاء حاجتها فخرجت مع ابنة عمها ورافقتهما عمتها التي كانت معنا وبقي عمر في حضني".
وتمضي الوالدة في حديثها بانفعال بعد ان تذكرت تلك اللحظات العصيبة: "سمعت صوت صراخ قوي فنظرت من النافذة وشاهدت رفيدة بحضن عمتها... لا ادري كيف تركت ابني وتوجهت صوب رفيدة واخذتها من حضن عمتها والتي قالت لي بان بوابة الحاجز اطبقت على رأسها. لكن رفيدة لم تكن تتحرك او تتنفس، وطلب مني من تجمع من حولي اخذ رفيدة مني لكنني قلت لهم دعوا رفيدة ميتة في حضني ..". وتابعت الوالدة الثاكلة حدثيها: "رفعت راس رفيدة وفجأة تقيأت وعاد نفسها ونبضها لها فصرخت باعلى صوتي بان رفيدة لا تزال على قيد الحياة فاحضروا سيارة اسعاف الى المكان وبالفعل حضرت في البداية سيارة اسعاف عسكرية وقدم لها طاقمها الاسعافات الاولية ثم حضرت سيارتان للعلاج المكثف ونقلت رفيدة الى مستشفى تل هشومير".
"كنت على يقين بان رفيدة ستموت"، قالت الام وتابعت: "الجراح التي اصيبت بها رفيدة لم تكن بسيطة، اذ كسرت جمجمتها ومن شدة الاصابة خرجت عينيها من مكانهما واصيبت باورام كبيرة في راسها وقال لي الاطباء بانهم سيجرون لها عملية جراحية لتخفيف الضغط، لكن العملية بائت بالفشل، وحاول الاطباء تمهيد الطريق لاخباري بان رفيدة ستفارق الحياة لكنهم قالوا بان الامل لا يزال موجودا لكنني كنت متيقنة بانها ستفارقنا واذا عاشت فلن تعود ابدا كما كانت، وتمنيت من الله ان يرحم ابنتي فلذة كبدي ويريحها من العذاب وبعد اربعة ايام من محاولة انقاذ حياتها ماتت ...". واردفت الوالدة في حديثها: "خلال فترة مكوث رفيدة في المستشفى طالبت بالسماح لزوجي، الذي دخل في وضع نفسي صعب بالحضور لمشاهدة ابنته لكنه عندما تمكن من الحضور كانت رفيدة قد فارقت الحياة فالقى زوجي نظرته الاخيرة عليها وودعها ولم يسمح له بالمشاركة في الجنازة ".
وعن المعاناة على الحواجز، قالت الوالدة جيهان: "لا ادري ما هو الهدف من الاجراءات الامنية والروتينية التي تدفعنا الى السفر ساعات طويلة والانتظار دون اي هدف ولا ادري لماذا يطلب منا الحضور باكرا الى الحواجز العسكرية مع العلم بانه لن يسمح لنا بالمغادرة الى بعد ساعات طويلة من الانتظار دون مبرر. قريتنا، بيت ليقيا، تبعد عن الحاجز الذي وقعت به الحادثة مسافة زمنية تقدر بخمسة دقائق فقط ولا ادري لماذا يطلب منا التوجه الى رام الله والصعود في حافلة الصليب الاحمر، ثم السفر الى حاجز مكابيم. فبالامكان الوصول اليه مباشرة لنتجنب الانتظار المهين وتضييق الخناق علينا في كل مرة يطلب بها زوجي مشاهدة اولاده، او يرغب الاطفال بمشاهدة والدهم المشتاق. اطالب كافة الجهات والمسؤولين وضع حد لمعاناتنا وللتنكيل الذي نتعرض له، فهنالك حالات كثيرة من التنكيل التي يتعرض لها المواطنين بشكل عام والاطفال بشكل خاص وهنالك العديد من الاطفال اللذين يتعرضون لاصابات على الحواجز ولي صديقة قطعت اصابع ابنتها على احد الحواجز".
وعن متابعة القضية على الصعيد القضائي قالت الوالدة: "لا اعرف ماذا اقول، فافكاري كلها مشوشة ولم اخرج حتى اليوم من البيت ولم اقرر في هذا الامر بعد ...".
بعد ان انهت الوالدة حديثها، وجهت لها سؤالي الاخير وقلت: هل ستصطحبي اولادك مرة اخرى معك عندما ستتوجهين لمشاهدة زوجدك؟ فاجابت بحزم: "لا .. لا اريد تعريض اطفالي لمعاناة اخرى، وساتوجه لزيارة زوجي لوحدي ولن افكر حتى في اصطحابهم معي. اعرف بان هذا الامر سيكون صعبا على زوجي خصوصا انه لا يعرف ما هي فترة سجنه".
الام تحتضن اولادها مع صورة طفلتها الشهيدة - لا تدري في اي سجن يقبع زوجها