لَوْحَةُ العُرُوبَة
يا ابْنَ الصَّحْرَاءِ،
كَمْ سَافَرَ فِيكَ الغُبَارُ وَمَا مَاتَ الحُلْمُ!
تَسِيرُ فِي الرَّمْلِ،
وَفِي قَلْبِكَ نَبْضُ السَّمَاءِ...
تُرَاوِدُكَ النُّجُومُ،
تُغْرِيكَ بِطَرِيقٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
تَسْمَعُ هَمْسَ السَّرَابِ،
فَتَضْحَكُ...
لِأَنَّكَ تَعْلَمُ،
أَنَّ الكَذِبَ لَا يَعْرِفُ طَرِيقَ الإِيمَانِ.
أَيُّهَا العَرَبِيَُ،
أَنْتَ وَطَنٌ يَمْشِي،
فِي يَدَيْكَ مِفْتَاحُ الشَّمْسِ،
وَفِي صَدْرِكَ تُغَنِّي مَآذِنُ الأَجْدَادِ.
أَنْتَ لَوْحَةُ العُرُوبَةِ،
رُسِمَتْ بِعَرَقِ البَحَّارِينَ،
وَدَمْعِ الأُمَّهَاتِ،
وَصَمْتِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَمْ يَتَكَلَّمُوا...
لِأَنَّ أَصْوَاتَهُمْ كَانَتْ أَعْلَى مِنَ الكَلِمَاتِ.
تَنْظُرُ إِلَى القُصُورِ،
فَتَرَى التَّارِيخَ يَنْحَنِي لَكَ،
تَتَأَمَّلُ المَآذِنَ،
فَيُسَبِّحُ اللَّيْلُ مَعَكَ،
وَتَبْكِي القِبَابُ مِنَ الفَخْرِ.
عَلَى ضِفَّةِ المَاءِ،
يَجْلِسُ شَيْخٌ،
يَرْسُمُ وَجْهَ الوَطَنِ بِمِلْحِ البَحْرِ،
وَيُلَوِّنُ المَسَاءَ بِنَفْسِ المَغَازِلِ القَدِيمَةِ.
تَمْرُّ السُّفُنُ كَالأَحْلَامِ،
تَحْمِلُ نُورًا وَخَيْرًا،
تَعُودُ وَفِي أَطْنَابِهَا صَدًى مِنْ أَدْعِيَةِ الأُمَّهَاتِ.
وَفِي السُّوقِ،
تَتَعَانَقُ الأَصْوَاتُ وَالأَلْوَانُ،
الأَصْدَافُ تَبْرُقُ،
وَالأَطْفَالُ يَعْدُونَ كَأَنَّهُمْ زَهْرَةُ العِيدِ.
وَفِي القَرْيَةِ،
الصَّفْرَاءُ كَالعَسَلِ،
تَنْبُضُ خُطَى المُصَلِّينَ،
وَالأَزِقَّةُ تُرَتِّلُ الحَمْدَ كَالأَنْفَاسِ.
أَيُّهَا العَابِرُ،
إِذَا مَرَرْتَ بِهَذِهِ الأَرْضِ،
فَاقْرَأْ فِي وَجْهِهَا القِصَّةَ كُلَّهَا،
فِي جَدَارٍ تَغَافَلَ عَنِ الزَّمَنِ،
فِي عَيْنِ عَرَبِيًٌ لَا يَخَافُ،
فِي صَمْتِ نَخْلَةٍ تُصَلِّي لِلرِّيحِ.
هُنَاكَ...
فِي أَعْمَاقِ الرَّمْلِ،
تَنْبُتُ أَسَاطِيرُ،
وَيَبْقَى صَدَى العُرُوبَةِ
أَغْنِيَةً لَا تَمُوتُ.