الإبداع الأكبر
لا توجد هناك مقدسات في عالم الأدب والإبداع الفني. التقديس ليس من صفة المتعاملين مع هذا العالم، وعلى العكس من هذا، فان عالم الأدب والإبداع يرفض التقديس، وربما يرى فيه نوعا من التحجر والتوقف عند لحظة ما فترة ما.
الأدب والإبداع هما عالم متغير، عالم لا يخضع للتجمد وأكاد أقول للتحجر. انه عالم متحرك، تتجدد فيه الأشكال فيه القدرات، تنمو وتتطور. لهذا نرى القيم في هذا العالم متغيرة ولا تتوقف عند مبدع، وقد يكمن في هذا سر ظهور هذا الكاتب المبدع في فترة ما من الزمن وخبو نجمه وحتى أفوله في فترة أخرى.
النمط الإبداعي المطلق، لهذا، غير موجود أو هو نادر في أفضل الأحوال، وما يبقى من الإبداعات الأدبية، بعد انتهاء المرحلة التي أنتجت فيها قد يكون قليل جدا، وقد يصل إلى درجة الانعدام.
-2-
الأدب والإبداع هما عالم متغير. أقدم مثالا قريبا منا. قريبا من فترتنا الراهنة. في الستينيات من القرن الماضي المنصرم للتو، كان الكاتبان المصريان إحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبدالله، يتصدران قائمة الكتب الأكثر مبيعا في القطر المصري، وكانت مؤلفات نجيب محفوظ ويوسف إدريس، اقل مبيعا من هذه المؤلفات.
ومضى الوقت ليتبين للجميع أن الحقيقة ليست كما ظهرت آنذاك. وان العكس هو الصحيح، أن مؤلفات محفوظ وإدريس، هي الابقى وهي الأشد تأثيرا.
هكذا تبين أن ما اخذ به الناس كحقيقة لا نقاش فيها، إنما هو خطأ، ولا أساس له في الواقع.
-3-
في بلادنا هنا أيضا يوجد مثال طيب. في السبعينيات من القرن الماضي، كان هناك من يدعي انه لا يوجد لدينا سوى ثلاثة أو أربعة شعراء. وحاولت وسائل إعلام ذات علاقة ومصلحة، أن تروج لهؤلاء، أن تجعل منهم أناسا مقدسين، إلا أن الزمن مضي ولم يتبق من هؤلاء، حتى اليوم، سوى واحد أو اثنين. أما المتبقون فان بعضهم توقف عن كتابة الشعر، وبعضهم الأخر طواه النسيان.
-4-
ما هو السر في هذا؟
من الصعب إعطاء جواب قاطع مانع في مثل هذا الموضوع، كما يقول أهل المنطق. إلا انه لا يمكن لمن يريد ان يقدم اجتهادا ما للإجابة، أن يتجاهل مسالة تعامل الأدب والإبداع بصورة عامة مع الواقع. الأدب بطبيعته يتعامل مع ما هو جوهري في الواقع، ويوظف العابر العارض لخدمة هذا التعامل، وليس العكس بأي من الأحوال. هذا التعامل يتطلب من الأديب والمبدع عامة، أن يكون على دراية ومعرفة بالنفس البشرية وبأسباب المتغيرات الاجتماعية. أي يتطلب منه أن يكون على جانب من المعرفة وليس صدى لها.
لتبيان هذا أقدم مثالا: الأديب الكاتب، والشاعر خاصة، في بلادنا اكتفى في الفترة السابقة، بان يكون صدى للأحداث، وتعامل معها في معظم حالاته بمباشرة، اكتفت بالصراخ والزعيق، بادعاء أن الأديب الشاعر ينبغي أن يكون انعكاسا للواقع وصدى للمرحلة. ونسي هذا أو تناسى انه يطلب منه أن يتغلغل إلى أعمق أعماق الواقع، كي يقترب من جوهره. هذا الجوهر الذي لا إبداع بدون التوصل إلى معرفته والتعامل مع هذه المعرفة.
أضف إلى هذا أن معظم أدبائنا وشعرائنا، في الفترة السابقة، تعاملوا عن رضى وطيب خاطر، على أساس أنهم تابعون لرجال السياسة لا سيما أولئك الذين فرضوا سلطتهم على المحيطين بهم، فجاءت إبداعاتهم- مسيسة إلى حد الغثيان، ومثلت في أفضل حالاتها دور الصدى، وليس الصوت، كما هو مفترض، بأي من الأحوال.
لهذا بعد أن وجدت القضية السياسية حلا أو شبه حل لها، ابتدأ أدبنا في مواجهة قضية الموضوع مواجهة حقيقية. فهل يواصل كتابنا وشعراؤنا ما اعتادوا على إعطائه من عطاء أدبي، في الفترة السابقة لفترة اوسلو تحديدا؟ أم يشرعون في البحث أم ماذا يفعلون؟
بعض هؤلاء اخذ في التخبط، وراح يقول إن شاعر الثورة انتهى وابتدأ شاعر الغربة! وبعضهم اثر الصمت والانزواء، وتوقف دوره على دور المهرج الذي يدعى بين الحين والآخر لقراءة بعض من أشعاره، مكتفيا ببقايا الق اسم تبقت لديه من الفترة السابقة، وراضيا بدعوة يوجهها إليه إنسان أمي أو شبه جاهل يعمل في هذه المؤسسة الثقافية أو تلك.
-5-
بعد اوسلو شرع بعض النقاد في رفع الصوت عاليا ليقولوا لنا، انه توجد هناك أبقار مقدسة في عالم الإبداع الأدبي، بل إن الكاتب الناقد السوري المقيم في لندن محيي الدين اللاذقاني، دعا للابتعاد عن التقديس في الإبداع الأدبي، مؤكدا انه لا يوجد في هذا الإبداع أبقار مقدسة.
كاتب هذه السطور كان له في تلك الفترة اجتهاد مماثل، أكد فيه على عدد من الأمور، أبرزها أن عالم الإبداع الأدبي لا يمكن أن يتوقف على ثلاثة أو أربعة أسماء، كما أراد شيوخ القبيلة في تلك الفترة، وان الإبداع الأدبي اكبر من أي شاعر أو كاتب أديب، واذكر أنني دعوت في تلك الفترة إلى إجراء مراجعة نقدية جادة للنظر في إبداعات طالها جانب من التقديس الكاذب، معتمدا في دعوتي على أن العمل الإبداعي، بعد أن ينشره صاحبه ويقرأه الناس، يخرج عن دائرة ملكية صاحبه، ويدخل ضمن الملكية العامة. واذكر أنني ذهبت إلى ابعد من هذا، فقلت انه لا يوجد في الأدب نص مقدس، وان كل نص في العالم يخضع ويجب أن يخضع للنظر ولإعادة النظر أيضا!! وذهبت في حينه إلى ابعد ما يمكن أن يذهب إليه كاتب يريد أن يقول كلمة حق، فدعوت إلى إعادة تقييم ما أنتجه كتابنا وشعراؤنا في الفترة السابقة، ولفت النظر إلى أهمية إعادة النظر في أعمال أدبية واجهت الإهمال، ليس لأنها غير جديرة، بل لان أصحابها رفضوا السير في التلم كما يقولون، واثروا أن يكون أصواتا حقيقية، وليس أصداء لأصوات أخرى كما رضي أبناء القبائل والعشائر ممن رضوا بأداء دور التابعين لرجال السياسة، مكتفين بذلك بأداء دور عابر.
-6-
سؤال آخر يلح ألان.
ما هو السبب في هكذا حال؟ لا أجد شخصيا سوى سبب أساسي، تتفرع عنه بقية الأسباب. هذا السبب يتعلق ببنية مجتمعنا العربي في هذه البلاد.
لنعترف أولا أننا ما زلنا نرزح تحت مفاهيم لا تبعد كثيرا عن مفاهيم القبيلة التي تأتمر بأمر زعيمها، وان ما دعاه البعض زورا وبهتانا من أننا انتقلنا إلى التعددية الفكرية ما هو إلا انتقال إلى التعددية القبلية، فقد تحولنا من قبيلة واحدة إلى أفخاذ وبطون تابعة لعقلية القبيلة.
بعد هذا الاعتراف، بامكاننا أن نقول إن المجتمعات القبلية البدائية، التي لا تبعد مفاهيمنا عنها كثيرا، لا تستطيع أن تعيش بدون رمز أو اله تعبده، وأنها إذا ما انعدم هذا الرمز لجأت إلى إيجاده ونحتته من أي مادة.
الرمز بالنسبة إلينا بات ضرورة موازية للوجود، وهناك دائما من هو على استعداد لإيجاد هذا الرمز، على المستويين الجماعي الحزبي والشخصي الفردي، خدمة لمصالحه ولنزعاته وأهدافه الحقيرة.
حتى في الأمور التي لا تقبل التقديس والترميز، حتى في أمور الإبداع الأدبي، قدسنا ورمزّنا. وغني عن القول إن هذا سيجرنا إلى المزيد من التحجر والتكلس، والتوقف عند أسماء، لا عند إبداعات كما يفترض، وعند رموز لا عند أناس مبدعين يخطئون ويصيبون، شانهم في ذلك شان جميع المبدعين في جميع أنحاء العالم.
القارئ الجاد أيها الأحباء، لا يقدس ولا يرمز، إنما هو يبحث ويدقق، ويتعامل مع النص على أساس انه قابل للنقد، ولصاحبه على أساس انه إنسان أولا وقبل كل شئ، إنسان يصيب ويخطئ.
لقد ولى زمن التأليه، التقديس والترميز، وابتدأ زمن البشر، فمتى نستفيق على هذه الحقيقة؟ متى نستفيق على أن العالم أوسع من أشخاصه، وان الإبداع اكبر من جميع المبدعين، وأننا نحن من يلعب في ملعبنا ومن يجيد هذا اللعب فيه، أكثر بكثير من أي ممن فرضهم آخرون، أو فرضوا هم انسهم ذاتهم علينا.