سامي العصّامي !!! - عكرمة ثابت
سامي طفل عصّامي ، من مواليد حي الرمال في القطاع المنكوب ، كان أحد طلاب الصف الأول في مدرسة الإمام الشافعي ويتفوق بالعمر والحيوية على زميلتيه " جينا الحزينة " و"يارا الجبارة" ، لكنه مثلهن يعاني من التهجير وإقتلاع البسمة عن شفاه طفولة أرعبها الإنقلاب وأغتال برائتها سلاح القتل والحصار ، وما كان منه إلا أن حزم أمتعته مهاجرا مع أفراد عائلته إلى مدينة رام الله تاركا ورائه رائحة الشاطيء المجبولة بعرق الصيادين ودفء الرمال التي جبلت بدماء وأشلاء المغدورين ، ليلتحق مكرها بركب الناجّين من مقاصل الموت والمحكومين بالإعدام رميا بالرصاص أو خنقا بأسطوانات الغاز !!!
في أوساط كل من عرفوه ، عرف سامي بذكائه الخارق وحيويته الممزوجة برجولة غير معهودة وبسلاطة لسانه وبرائته الخشنة ... طفل أسمر تجرع الإصرار والتحدي والعنفوان تيمنا بخاله الشهيد أسعد الشوا - الأسير الذي سقط واقفا أمام رصاصات حاقدة أطلقها عليه مدير سجن النقب الصحراوي " تسيمح " منتصف عام 1988 ، وإفتخارا ببطولات خاله الشهيد أيضا – محمد الشوا - الذي ترجل فارسا ليلحق بكوكبة شهداء إنتفاضة الأقصى .
أكثر ما يزعج سامي اليوم هو أن عيد ميلاده الثامن سيصادف نفس اليوم الذي ستعلن فيه حركة حماس إنتهاء ولاية الرئيس محمود عباس ، لذلك هو لن يطفيء شمعة الميلاد لأن هذا اليوم بالتحديد سيكون يوما مظلما شديد السواد على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ومشروعه الوطني ، وبناءا على رغبته سيوقد سامي مزيدا من الشموع لينير لأبناء الحي الذي غادره طريق الأمل نحو غد أفضل ومستقبل لا إنقسام فيه ولا إقتتال !!!
وفي سكنه في مدينة رام الله ، لا زال سامي يحن لبحر غزة واللهو بدراجته الهوائية وسط الشوارع والحارات ، ولا زالت ذكرياته البريئة هناك ماثلة أمام عينيه الشاخصتين نحو بيتهم المهجور ، يهتف ويخط حروف إسمه في نشيده المفضل : سأعود يا غزة يا بلد العزة سأعود ...احمل حقيبتي المدرسية " الإمام الشافعية " ... مولدي فيك وسماؤك قبلتي الأبدية ... يا غزة لا تهتزي ... راجعلك رافع راسي .. من بحرك .. من رملك .. من صبرك ... نشرب حليب العز !!!
ومع حلول عيد الأضحى المبارك وإستعدادات الصغار والكبار ... الأمهات والأطفال لإستقباله ... يقف سامي على أعتاب بيتهم في حي الطيرة حائرا مشدود الخيال لذكريات الفرح واللعب على مراجيح العيد في ساحات ومنتزهات غزة ... يفتقد أصدقائه من الاطفال الذين كان يمضي معهم ساعات طويلة ويحن إلى أقربائه وجيرانه الذين كانوا يغرقونه بالهدايا والألعاب ... ياتي العيد هذا العام وعيون سامي تملؤها العزلة والوحدة ، والبسمة على وجهه مقتولة مسروقه ... عيد الأضحى يأتي على أطفال غزة وهم مسلوبين من كل شيء ... من أحلامهم ... من طفولتهم ... من برائتهم – تلك البراءة التي غيبتها براثن الموت والقتل والتشريد .
سامي اليوم يستقبل العيد بكثير من الألم والشوق والحنين للعودة إلى بيته حيث ينتظره الجد والجدة والأعمام والأقارب والأصدقاء ، ولا زال حلم العودة يراوده ويراود أطفال غزة المبعدين قسرا عن بيوتهم وحاراتهم لأن قرار الإبعاد لن يفلح بأن ينزع حبهم وشوقهم الدائم لرمل وبحر وهواء غزة هاشم من قلوبهم.